
بعد مناقشة سيناريوهين متقابلين؛ أولهما احتمال فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في حسم المواجهة، وثانيهما فرضية هزيمة إيران وما قد يترتب عليها من كلفة للنصر، يصبح من الضروري الانتقال إلى زاوية ثالثة أكثر واقعية في منطق الحروب الحديثة: ماذا لو لم ينتصر أحد أصلًا؟ فالتاريخ لا يسير دائمًا وفق معادلة المنتصر والمهزوم، بل كثيرًا ما ينتهي إلى وضع يخسر فيه الجميع بدرجات مختلفة، وتتحول الحرب من أداة لحسم الصراع إلى وسيلة لإعادة إنتاج أزمته بصيغة أشد تعقيدًا.
المشكلة الأساسية في أي مواجهة واسعة مع إيران أن أهداف الأطراف المتصارعة ليست متطابقة زمنيًا ولا سياسيًا. واشنطن تبحث عن ردع طويل الأمد بأقل كلفة ممكنة، بينما تسعى تل أبيب إلى إزالة تهديد تعتبره وجوديًا، في حين تنظر طهران إلى الصمود ذاته باعتباره انتصارًا سياسيًا. هذا الاختلاف في تعريف “النصر” يجعل الوصول إلى لحظة حسم واضحة أمرًا شبه مستحيل، لأن كل طرف يقيس النتائج بمعيار مختلف، فتتحول الحرب إلى معادلة استنزاف متبادلة بدلًا من معركة فاصلة.
في الحروب التقليدية كان تدمير القوة العسكرية للخصم يفتح الطريق تلقائيًا إلى تسوية سياسية، أما اليوم فالأمر أكثر تعقيدًا. فالدول الحديثة تمتلك أدوات غير متماثلة تسمح لها بالاستمرار حتى بعد تلقي ضربات قاسية، سواء عبر الشبكات الإقليمية أو الوسائل السيبرانية أو القدرة على تعطيل الاقتصاد العالمي. وهكذا يحقق طرف ما تفوقًا ميدانيًا واضحًا، لكنه يفشل في تحويله إلى نتيجة سياسية مستقرة، فتبدو الحرب وكأنها نجحت عسكريًا وفشلت استراتيجيًا في الوقت نفسه. وتجارب العراق بعد ألفين وثلاثة وأفغانستان بعد ألفين وواحد وعشرين تكشف بوضوح كيف يمكن للنصر العسكري أن يتحول إلى عبء سياسي طويل يصعب التخلص من آثاره.
الجديد في هذا السيناريو أن الخسارة لا تعني بالضرورة الانهيار المباشر، بل الاستنزاف الطويل الذي يلتهم الجميع تدريجيًا. فإيران لا تسقط كنظام، لكنها تخرج كدولة شبه مدمرة وظيفيًا، تعاني بنيتها التحتية من شلل لعقود واقتصادها من انهيار هيكلي، ما يجعل صمودها “نصرًا بطعم الهزيمة”. في المقابل، تحافظ الولايات المتحدة على تفوقها العسكري، لكنها تجد نفسها غارقة في التزامات أمنية واقتصادية ممتدة في الشرق الأوسط. أما إسرائيل، فرغم قدرتها على توجيه ضربات مؤلمة، تواجه بيئة إقليمية أكثر اضطرابًا وأقل قابلية للردع.
العامل الاقتصادي هنا يصبح ساحة المعركة الحقيقية. فمجرد استمرار التوتر في منطقة الخليج كفيل برفع كلفة الطاقة عالميًا وإرباك الأسواق، وهو ما يعني أن القوى الكبرى — حتى غير المشاركة مباشرة — ستدفع ثمن الحرب. وفي عالم مترابط اقتصاديًا، يتحول أي صراع طويل إلى أزمة تضخم عالمية جديدة، وربما إلى صدمة طاقة تتجاوز في آثارها أزمات النفط التاريخية، الأمر الذي يجعل المنتصر العسكري يتحمل عبئًا سياسيًا داخليًا يفوق مكاسب المعركة. وقد يكون الخاسر الأكبر في هذه الحرب هو النظام الدولي نفسه، لا أي من أطرافها المباشرين.
هناك أيضًا بعد جديد لم يكن حاضرًا بالقدر نفسه في الحروب السابقة: هشاشة سلاسل الإمداد العالمية. فالصراع الممتد يضرب خطوط الملاحة والتجارة، ويعيد العالم إلى حالة عدم اليقين الاقتصادي. وهنا تتغير طبيعة القوة؛ فبدلًا من سؤال من يملك السلاح الأقوى، يصبح السؤال: من يستطيع تحمّل اضطراب النظام الاقتصادي العالمي لفترة أطول؟
أما على المستوى الإقليمي، فإن استمرار الحرب دون حسم يدفع قوى المنطقة إلى تسريع سباق التسلح بدلًا من البحث عن تسويات. دول كانت تعتمد على المظلة الأمنية الأمريكية تبدأ في تطوير خيارات ردع ذاتية، ما يخلق بيئة أكثر توترًا وخطورة على المدى البعيد. وبدلًا من إنتاج استقرار جديد، تصبح الحرب نقطة انطلاق لمرحلة اضطراب ممتدة.
العامل الدولي يأخذ بُعدًا مختلفًا هنا. فروسيا والصين لا تكتفيان بالمراقبة أو الاستنزاف غير المباشر، بل تتدخلان في ذروة الأزمة كـ “وسطاء إطفاء حرائق” لفرض تسويات منقوصة تناسب مصالحهما. هذا التدخل الدبلوماسي من شأنه أن يكسر الاحتكار الأمريكي التاريخي لهندسة الأمن والسلام في الشرق الأوسط، لتكون الخسارة الحقيقية لواشنطن هي تراجع موقعها كضامن أوحد للاستقرار الدولي.
ومن زاوية الرأي العام العالمي، فإن الحرب التي لا تنتهي بسرعة تفقد شرعيتها السياسية تدريجيًا. صور الدمار الممتدة، وتزايد الأعباء الإنسانية، وتضخم الكلفة الاقتصادية، كلها عوامل تحول الدعم الشعبي لأي عملية عسكرية إلى عبء سياسي على صناع القرار، ما يضغط باتجاه تسويات ناقصة لا تحقق أهداف أي طرف بالكامل.
المفارقة الكبرى أن هذا السيناريو قد يكون الأكثر واقعية في عالم ما بعد الحروب الحاسمة. فالتوازنات المعقدة، وتعدد الفاعلين، وتشابك المصالح الاقتصادية تجعل الحسم الكامل نادرًا. وبدلًا من انتصار واضح، تنتهي الحروب غالبًا إلى هدنة متوترة يعلن فيها كل طرف أنه صمد، بينما تكون الحقيقة أن الجميع خرج أضعف مما دخل.
وهنا يظهر الدرس الأهم: في بعض الحروب لا يكون السؤال من انتصر، بل من خسر أقل. فإذا خرجت إيران منهكة ومدمرة، وأمريكا مثقلة بالالتزامات وفاقدة لتفردها الدبلوماسي، وإسرائيل أمام بيئة أكثر عدائية، والعالم أمام أزمة اقتصادية جديدة، فإن النتيجة الحقيقية ليست النصر ولا الهزيمة، بل تآكل شامل في الاستقرار الدولي.
أخطر الحروب ليست تلك التي تُخسر في الميدان، بل تلك التي تربحها الجيوش وتخسرها السياسة. وحين تتحول الحرب إلى إدارة أزمة دائمة، يصبح السلام نفسه شكلًا آخر من الصراع. وفي النهاية، أسوأ الصراعات ليس ما ينتهي بانتصار طرف على آخر، بل ذاك الذي يستنزف الجميع دون أن يسمح لأحد بالادعاء بأنه ربح فعلاً. وعندها يصبح السلام المؤقت مجرد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة، لأن أسباب الصراع الأساسية بقيت قائمة، وربما أصبحت أكثر تعقيدًا مما كانت عليه قبل اندلاع الحرب.







