السودانملفات وتقارير

تحالف دولي واسع يطالب بوقف جرائم العنف الجنسي ضد السودانيات ومحاسبة الجناة

تتصاعد التحذيرات الدولية من اتساع رقعة الانتهاكات المروعة والجرائم الممنهجة التي تستهدف النساء والفتيات في السودان منذ اندلاع النزاع المسلح في أبريل عام 2023، حيث وثقت تقارير بعثة تقصي الحقائق المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان تورط عناصر قوات “الدعم السريع” في ارتكاب جرائم العنف الجنسي ضد السودانيات بشكل واسع النطاق، وأكد التحقيق الأممي الصادر مؤخرا أن هذه الأفعال التي شهدتها مدينة الفاشر نهاية أكتوبر الماضي لم تكن تجاوزات فردية بل مثلت جزءا من استراتيجية ممنهجة، وكشف التقرير الذي ترأسه محمد شاندي عثمان عن وقوع آلاف حالات القتل والاغتصاب خلال ثلاثة أيام فقط من السيطرة العسكرية على المدينة، مما يشير إلى وجود خطة تهدف لتدمير جماعات إثنية محددة عبر استهداف أجساد نسائها في إطار جرائم ترقى لمستوى الإبادة الجماعية وفق تصنيف القانون الدولي.

تتزايد الأرقام الرسمية الصادرة عن وحدة مكافحة العنف ضد المرأة في السودان لتعكس حجما مرعبا من المأساة الإنسانية التي تعيشها الضحايا في مناطق النزاع، حيث أعلنت الوحدة عن توثيق 1138 حالة اغتصاب منسوبة لعناصر “الدعم السريع” منذ بداية الحرب وحتى فبراير عام 2025، وأوضحت مديرة الوحدة سليمى إسحاق أن الإحصاءات تشمل 193 طفلة تعرضن للاعتداء الجنسي في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار وكردفان ودارفور، فيما تؤكد المنظمات الإغاثية أن العدد الفعلي يتجاوز هذه الأرقام بكثير بسبب القيود الاجتماعية وصعوبة الوصول للمتضررين، ويبرز العنف الجنسي ضد السودانيات كأداة للترهيب والسيطرة وسط انهيار المؤسسات القانونية، مما دفع منظمات دولية مثل “هيومن رايتس ووتش” للمطالبة بآليات دولية عاجلة لحماية المدنيين وضمان عدم الإفلات من العقاب في ظل استمرار المعارك.

توثيق الاستعباد الجنسي في جنوب كردفان والفاشر

سجلت التقارير الحقوقية سلسلة من الانتهاكات الصارخة التي ارتكبها مقاتلو “الدعم السريع” والميليشيات المتحالفة معها في جنوب كردفان منذ سبتمبر عام 2023، وتضمنت هذه الجرائم عمليات اغتصاب جماعي واختطاف لنساء وفتيات واحتجازهن في قواعد عسكرية لمدد طويلة، كما حدث في بلدة حبيلة وبلدة فايو حيث تعرضت المحتجزات لانتهاكات يومية وصلت لحد الاستعباد الجنسي الممنهج، وتؤكد بلقيس والي المديرة المشاركة في قسم الأزمات ب “هيومن رايتس ووتش” أن هذه الحوادث تعكس نمطا منظما يتطلب تحركا فوريا من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وتستمر ممارسات العنف الجنسي ضد السودانيات في حصد المزيد من الضحايا حيث ارتفع عدد المعرضين لهذا النوع من المخاطر إلى أكثر من 12 مليون شخص نتيجة غياب الرقابة والمحاسبة وتكرار أنماط العنف التي شهدتها دارفور سابقا منذ عام 2003.

أورد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول العنف المرتبط بالنزاعات بيانات صادمة عن استهداف الأطفال بشكل مباشر خلال العمليات العسكرية الجارية، حيث تم تسجيل 221 حالة اغتصاب لأطفال منذ مطلع عام 2024 بينهم رضع لم يتجاوزوا عامهم الأول، وأكدت كاثرين راسل المديرة التنفيذية ل “اليونيسيف” أن 66 في المئة من الضحايا الأطفال هن من الإناث بينما بلغت نسبة الذكور 33 في المئة، وتعتبر هذه الجرائم انتهاكا صارخا للقوانين الدولية وجرائم حرب تترك ندوبا نفسية وجسدية لا تمحى، وتشدد التقارير على أن ممارسة العنف الجنسي ضد السودانيات تهدف لكسر الإرادة الاجتماعية وتفكيك الروابط الأسرية عبر استهداف النساء المنتميات لقبائل الزغاوة والفور والبرتي والمساليت والتاما في دارفور، مما يعيد إنتاج مآسي الماضي بصورة أكثر وحشية واتساعا تحت وطأة السلاح.

غياب المحاسبة وتضاعف أعداد الضحايا في مناطق النزاع

تشير الوقائع الميدانية إلى أن تصاعد وتيرة الانتهاكات يرتبط بشكل وثيق بتمكين القيادات العسكرية للعناصر المنفذة وتوفير غطاء للجرائم المرتكبة أثناء عمليات الاقتحام والتهجير، حيث تحول العنف الجنسي ضد السودانيات إلى وسيلة منخفضة التكلفة وعالية التأثير لإجبار المدنيين على الفرار وترك ممتلكاتهم، وتوضح المحامية وصال عبدالله أن ما يشهده السودان اليوم هو إعادة إنتاج لنمط عنف قديم استخدمته ميليشيات الجنجويد التي تحولت لاحقا إلى “الدعم السريع”، وتؤكد التقارير أن هذه الاعتداءات غالبا ما تتم أمام أفراد الأسرة لزيادة مستوى الإذلال والإرهاب النفسي، مما يتطلب تفعيل مسارات العدالة الدولية المعطلة لملاحقة المسؤولين عن هذه الجرائم وضمان تعويض الناجيات وتوفير الرعاية الصحية والنفسية اللازمة لهن في ظل الانهيار التام للمنظومة الصحية في معظم ولايات السودان المنكوبة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى