
يتابع حزب غد الثورة الليبرالي المصري بقلقٍ بالغ التصريح الذي أدلى به رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي أمس، والذي أعلن فيه أن الدولة تقدّم «60 مليون إفطار مجاني يوميًا» للمستحقين خلال شهر رمضان.
هذا الرقم، في ظاهره، يحمل بُعدًا إنسانيًا؛ لكنه في جوهره رقم اقتصادي-سياسي بالغ الخطورة، يستدعي تفكيكًا موضوعيًا وحسابًا دقيقًا، لأن الأرقام في علم الاقتصاد ليست دعاية، بل شهادة على حقيقة الواقع الاجتماعي.
أولًا: ماذا تعني 60 مليون وجبة يوميًا؟
وفق أحدث التقديرات السكانية (فبراير 2026)، يبلغ عدد سكان مصر نحو 119.4 مليون نسمة.
إذا كانت الدولة تقدّم إفطارًا يوميًا لـ 60 مليون شخص، فهذا يعني أن نحو 50.2% من سكان مصر يتلقّون دعماً غذائيًا مباشرًا يوميًا.
أي أننا — إن صحّ الرقم — أمام اعتراف رسمي غير مسبوق بأن نصف الشعب المصري تقريبًا يحتاج إلى إعانة غذائية يومية من الدولة.
ثانيًا: أين تقف هذه النسبة مقارنةً بالبيانات الرسمية؟
آخر بيانات رسمية منشورة عن الفقر النقدي (2019/2020) تشير إلى أن نسبة من يعيشون تحت خط الفقر الوطني تبلغ نحو 29.7%، أي ما يعادل تقريبًا 35.8 مليون مواطن فقط.
إذا كانت هذه الأرقام الرسمية صحيحة، فكيف أصبح عدد “المستحقين للإفطار المجاني” 60 مليونًا؟
هل تضاعف الفقر دون إعلان رسمي؟
أم أن الرقم المعلن لا يستند إلى تعريف واضح للمستحقين؟
ثالثًا: الاحتمالان الخطيران
لدينا احتمالان لا ثالث لهما:
إذا كان رئيس الوزراء صادقًا في رقم 60 مليونًا، فنحن أمام اعتراف خطير بأن نصف المصريين تقريبًا يعيشون تحت أو قريبًا من خط الفقر، وهو ما يُكذّب الروايات الحكومية السابقة عن تحسّن المؤشرات الاجتماعية.
وإذا كان الرقم مبالغًا فيه أو غير دقيق، فنحن أمام أزمة مصداقية وأخلاقيات إدارة معلومات عامة، حيث تتحوّل الأرقام إلى أدوات استعراض سياسي لا إلى بيانات قابلة للتحقق.
رابعًا: الدلالات الاقتصادية
تقديم 60 مليون وجبة يوميًا يعني — حسابيًا — إدارة منظومة تمويل ضخمة للغاية.
إذا افترضنا تكلفة متحفظة قدرها 20 جنيهًا للوجبة الواحدة، فنحن أمام إنفاق يومي يقارب 1.2 مليار جنيه، أي نحو 36 مليار جنيه خلال شهر واحد فقط.
أين يظهر هذا الرقم في بنود الموازنة؟
ما هي الجهة المنفذة؟
ما آليات الرقابة والمراجعة؟
وأين الشفافية في الإعلان عن تفاصيل البرنامج؟
خامسًا: القضية ليست “إفطارًا” بل سياسة اقتصادية
الدولة التي تفخر بإطعام نصف شعبها يوميًا تعترف — ضمنيًا — بفشل سياسات التشغيل والدخل والحماية الاجتماعية المستدامة.
الاقتصاد القوي لا يُقاس بعدد الوجبات المجانية، بل بعدد المواطنين القادرين على شراء طعامهم بكرامة.
سادسًا: ما الذي نطالب به؟
يدعو حزب غد الثورة الحكومة إلى:
نشر بيان تفصيلي رسمي يوضح مصدر رقم 60 مليونًا وتعريف “المستحقين”.
إعلان التكلفة الفعلية للبرنامج ومصادر تمويله.
إصدار تحديث رسمي لبيانات الفقر في مصر بدل الاعتماد على أرقام تعود إلى ما قبل موجات التضخم الأخيرة.
التوقف عن استخدام الأرقام الاجتماعية في سياق دعائي دون سند إحصائي منشور.
ختامًا،
الكرامة الاقتصادية لا تتحقق بإعلانات ضخمة، بل بسياسات تولّد الدخل وتحمي القوة الشرائية.
إما أن نصف المصريين فقراء — وهذه مأساة وطنية تتطلب مصارحة شجاعة —
وإما أن الرقم غير دقيق — وهذه أزمة ثقة لا تقل خطورة.
في الحالتين،
الشفافية واجب،
والحقيقة حق،
والأرقام لا يجب أن تتحوّل إلى خطبٍ موسمية.
حزب غد الثورة الليبرالي المصري
رييس الحزب
د.ايمن نور
25 فبراير 2026







