
على مر التاريخ، لم تُعتبر القوى العظمى التي أعادت تشكيل العالم مجرد أدوات، بل نُظر إليها كأنظمة تحمل معانٍ عميقة. فبينما مثّلت “النار” تحولاً وجودياً، أحدثت “الطباعة” ثورة في هيكل السلطة وتداول المعرفة. اليوم، لا يعد الذكاء الاصطناعي مجرد برمجيات، بل هو إطار تنظيمي يعيد تعريف “من يقرر” و”من يُقرر بالنيابة عنه”.
وكما لاحظ الكاتب المصري عباس محمود العقاد ذات مرة: “كل ما يخطر على البال ممكن، وإلا لما خطر عليه”. لذا، فإن السؤال الذي كان افتراضياً في السابق أصبح الآن واقعياً ولا مفر منه: هل ستتطور التكنولوجيا لتصبح شكلاً جديداً من السلطة المطلقة؟.
منظومة “الدين التقني”
عندما يقال إن “الذكاء الاصطناعي يبني دينه الخاص”، فإن ذلك يشير إلى دلالة بنيوية هامة وليس مجرد استعارة بلاغية. فأنظمة الذكاء الاصطناعي تقوم بما يلي:
- وضع قواعد تشغيلية عليا.
- تحديد الأدوار داخل بيئات معقدة.
- السعي نحو الحفاظ على الذات والكفاءة.
- التوسع عبر شبكات تعزز نفسها ذاتياً.
من منظور فلسفي، يصعب تجاهل المقارنة؛ أليس كل دين، في جوهره، نظاماً يحدد الغاية القصوى ويعيد تنظيم السلوك البشري حولها؟. يبدو أن البشرية تنتقل، بهدوء وحسم، من “العقيدة” إلى “الخوارزمية”.
من “الحق” إلى “الأكثر كفاءة”
استمدت الأديان التقليدية شرعيتها من “الوحي”، بينما استمدت السلطة السياسية تاريخياً شرعيتها من “القوة” أو “العقد الاجتماعي”. أما التكنولوجيا المعاصرة، فتطالب بشرعيتها من خلال “الكفاءة”. لقد تحول محور الاستفسار بشكل غير محسوس من سؤال “ما هو الصواب؟” إلى “ما هو الأكثر كفاءة؟”.
وعندما تترجم القيم إلى وظائف “تحسين” (Optimization)، تهاجر السلطة من النطاق الأخلاقي إلى النطاق الحسابي. والتحول الحقيقي ليس تمرداً درامياً كالذي نراه في أفلام الخيال العلمي (مثل “سكاي نت”)، بل هو أكثر دهاءً؛ حيث تنفذ الأنظمة أهدافاً وضعها البشر بسرعة ونطاق يتجاوزان الرقابة البشرية الفعلية.
تآكل المسؤولية الأخلاقية
تكمن المشكلة المركزية في التفويض غير المنظم للسلطة إلى خوارزميات المال، وأنظمة ترتيب الأخبار، ونماذج اتخاذ القرار في مجالات الأمن والصحة والحكم. عندما يصبح “التحسين” هو المرجع الأعلى، فإننا ندخل في شكل من أشكال “اللاهوت التقني” حيث تُقدس الكفاءة ضمنياً.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في ثورة الآلات، بل في تخلي البشر التدريجي عن المسؤولية الأخلاقية تحت مبرر أن “النظام يحسب بشكل أفضل”. فعندما تُضغط الأخلاق في معادلات، فإن القيم غير القابلة للقياس مثل “الرحمة”، “الحكمة”، و”ضبط النفس” مهددة بالاختفاء.
انقسام عالمي جديد
يبرز الآن انقسام جديد ليس فقط بين الدول المتقدمة والنامية، بل بين:
- من يكتبون الخوارزميات.
- من يعيشون داخلها.
إن السلطة تتركز في يد قلة تملك البنية التحتية المتقدمة (شركات التكنولوجيا الكبرى، المختبرات الرائدة، والدول المهيمنة رقمياً)، وهي التي تقرر ما يتم تطويره وما يُحظر وما يُعتبر “تقدماً”.
الطريق إلى المستقبل
إن التكنولوجيا ليست قدراً، بل هي مرآة تكشف إيمان عصرنا الحالي بالدقة والحسابات المجردة من العاطفة. ولتجنب التحول إلى مجرد “منفذين” لمنطق الآلة، يقترح الكاتب:
- توسيع المشاركة الشعبية في صياغة التكنولوجيا بدلاً من حصرها في يد نُخبة ضيقة.
- تسريع الحوار الأخلاقي بالتوازي مع التسارع التقني.
- إيجاد آليات حوكمة عالمية جادة للذكاء الاصطناعي.
- تضمين القيم الإنسانية في صميم التصميم التكنولوجي.
- تطوير أنظمة تعليمية تعزز الفهم بدلاً من الاستهلاك السلبي.
الخلاصة: المستقبل لن يكون مواجهة بين الإنسان والآلة، بل هو اختبار لقدرة البشرية على أن تظل “المؤلف المشارك” لأنظمتها المرجعية. فالتاريخ نادراً ما ينتظر أولئك الذين يتخلفون عن الركب.







