مقالات وآراء

فرج المجبري يكتب: السيادة على النفط أولًا: الطريق الوحيد لوقف الانهيار الاقتصادي واستعادة الدولة

لم تعد الأزمة الاقتصادية في ليبيا مجرد أرقام تتعلق بسعر صرف أو نسب تضخم، بل تحولت إلى مرآة تعكس خللًا عميقًا في بنية السلطة وإدارة الموارد. ما يعيشه الليبيون اليوم من تراجع في قيمة الدينار وارتفاع قاسٍ في الأسعار ليس نتيجة نقص في الثروة، بل نتيجة مباشرة لغياب الانضباط المالي، وتعدد مراكز القرار، واستمرار ترتيبات أفرغت المؤسسات السيادية من دورها الطبيعي.

في دولة يعتمد اقتصادها بشكل شبه كامل على النفط، يصبح أي اضطراب في تدفق الإيرادات أو في آليات إدارتها مسألة وجودية. البيانات الرسمية الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي لم تترك مجالًا للشك في أن الإيرادات النفطية لم تعد تتدفق بالكفاءة نفسها التي كانت عليها، رغم أن معدلات الإنتاج لم تشهد تراجعًا جوهريًا يبرر هذا الانخفاض. هذه المفارقة تفتح الباب أمام السؤال الأكثر حساسية: أين تذهب العوائد؟ وكيف خرج جزء من هذا القطاع السيادي عن المسار المؤسسي الذي ظل لعقود يمثل الضامن الوحيد لوحدة الاقتصاد الليبي؟

الترتيبات التي أُقرت في السنوات الأخيرة، وعلى رأسها منح تصاريح لكيانات(أركنو) تعمل خارج الإطار التقليدي للمؤسسة الوطنية للنفط، لم تكن مجرد قرارات إدارية، بل تحولات بنيوية في طبيعة إدارة الثروة. هذه التحولات، بما رافقها من اعتماد آليات المقايضة بدل التدفقات النقدية المباشرة، ساهمت في تقليص الإيرادات الفعلية التي تصل إلى الخزانة العامة، وهو ما انعكس مباشرة على قدرة الدولة على تمويل التزاماتها الأساسية دون اللجوء إلى أدوات مرهقة للمجتمع.

ومن هنا يمكن فهم كيف تحولت الضرائب على النقد الأجنبي إلى أداة لتعويض الفجوة، رغم افتقارها للسند القانوني الواضح، ورغم ما ترتب عليها من آثار تضخمية مباشرة. فالضريبة في الاقتصاد الطبيعي تُفرض لتمويل التنمية، أما حين تُستخدم لسد عجز ناتج عن اختلال إدارة الموارد، فإنها تتحول إلى وسيلة لنقل الأزمة من السلطة إلى المواطن.

الأخطر من ذلك هو محاولة تمرير معالجات مالية كبرى، مثل إطفاء دين عام ضخم دون كشف مسارات إنفاقه أو إخضاعه لتدقيق حقيقي. فالدين العام ليس رقمًا محاسبيًا فقط، بل التزام سيادي يحدد مستقبل الأجيال القادمة، وأي قرار بشأنه خارج إطار الشفافية والمساءلة يمثل تحميلًا للمجتمع كلفة مجهولة المصدر.

وفي قلب هذه المعادلة يقف الإنفاق الموازي بوصفه العنوان الأبرز للفوضى المالية. إن وجود مسارات إنفاق خارج الموازنات المعتمدة يعني ببساطة أن السياسة النقدية تفقد فعاليتها، وأن كل محاولات تثبيت سعر الصرف ستظل مؤقتة، لأن السوق يواجه كتلة نقدية لا تعكس قدرة الاقتصاد الحقيقية. ولهذا فإن وقف هذا النزيف، وفرض مبدأ وحدة الإنفاق العام، لم يعد خيارًا سياسيًا بل شرطًا لبقاء الدولة نفسها.

غير أن الإصلاح الاقتصادي، مهما كان عميقًا، لن يكتمل دون حل سياسي شامل ينهي حالة الانقسام التي سمحت بظهور هذه التشوهات. فاقتصاد منقسم لا يمكن أن ينتج استقرارًا نقديًا، ومؤسسات موزعة بين سلطات متنازعة لا تستطيع إدارة ثروة سيادية بحجم النفط الليبي.

من هنا تبدو العودة إلى المسار الدستوري، والذهاب إلى تسوية سياسية تفضي إلى رحيل متزامن للأجسام القائمة، ثم الاستفتاء على الدستور وإجراء انتخابات عامة، ليس مجرد استحقاق سياسي، بل ضرورة اقتصادية أيضًا. لأن توحيد القرار المالي لا يمكن أن يتحقق في ظل شرعيات متنازعة.

الأزمة التي تعيشها ليبيا اليوم ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة مسار يمكن تصحيحه إذا توفرت الإرادة. البداية تكون باستعادة السيادة الكاملة على النفط، ووقف الإنفاق الموازي، وإخضاع الدين العام للمساءلة، وإلغاء كل الإجراءات التي حُمِّل بها المواطن كلفة الانقسام. عندها فقط يمكن أن يستعيد الدينار جزءًا من قوته، وأن يتحول النفط مرة أخرى من أداة صراع إلى مصدر استقرار.

ما دون ذلك سيبقى مجرد حلول مؤقتة تؤجل الانفجار ولا تمنعه، وتبقي الاقتصاد أسير معادلة يدفع ثمنها الليبيون كل يوم من قوتهم وأمنهم الاجتماعي.
فرج المجبري
2026/2/25م

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى