
تعيش دولنا العربية لحظة مفصلية تتداخل فيها هشاشة الاقتصاد مع أزمات السياسة وتسارع التحولات الإقليمية والدولية، وسط تهديدات وجودية تمس السيادة ووحدة الدول وقدرتها على الاستمرار في عالم يُعاد تشكيله على وقع صراعات مفتوحة وإعادة توزيع لموازين القوة.
في هذا السياق المتغيّر، تنقلب الانقسامات الداخلية من خلافات سياسية قابلة للإدارة إلى نقاط ضعف بنيوية قابلة للاستغلال في لحظات إعادة التشكل الكبرى. وتواجه المجتمعات اختلالات اقتصادية عميقة وتراجعا في الثقة العامة، بما يجعل التماسك الداخلي شرط بقاء حقيقي ومكوّنا أساسيا من مكونات الأمن الوطني.
وقد أفضت مسارات الصراع خلال العقد الماضي إلى إنهاك متبادل واستنزاف طويل للقدرة على الفعل الجماعي، الأمر الذي يفرض مراجعة جذرية لقواعد إدارة الخلاف داخل المجال الوطني، والتفكير في إعادة تأسيس عقد اجتماعي أكثر توازنا وفاعلية، يُحيي المواطنة الجامعة ويحصّن الدولة أمام مخاطر التفكك والتآكل البطيء.
المصالحة كمدخل لإعادة بناء الشرعية
تُطرح المصالحة في كثير من النقاشات العربية بوصفها تسوية ظرفية أو هدنة سياسية، غير أن السياق الراهن يمنحها بعدا أعمق يتصل بجوهر الشرعية السياسية. فالمصالحة الوطنية، في معناها الجوهري، هي إعادة تأسيس للمجال السياسي بحيث يتحول الخلاف من معركة إقصاء إلى تنافس منظم داخل عقد اجتماعي جامع. بهذا المعنى، لا تكتفي المصالحة بوقف الصراع مؤقتا، بل تعيد تركيب العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس المواطنة والاعتراف المتبادل، وهو ما يمنحها قدرة حقيقية على إنتاج شرعية متينة وقابلة للاستمرار.
الشرعية التي تقوم على منطق الغالب والمغلوب، أو على تصنيف الفاعلين إلى منتصرين ومنهزمين، تظل هشة أمام الأزمات الكبرى، لأنها تُضعف رابطة المواطنة وتحوّل الدولة إلى إطار لإدارة صراع دائم. أما الشرعية التي تنشأ من إشراك القوى الحية في المجتمع ومن تنظيم الخلاف داخل أفق وطني واضح، فتوسّع قاعدة الانتماء، وتعيد ربط السياسة بالمواطنة الفاعلة، وتمنح الدولة قدرة أكبر على الصمود في مواجهة التحديات.فالشرعية التي تقوم على منطق الغالب والمغلوب، أو على تصنيف الفاعلين إلى منتصرين ومنهزمين، تظل هشة أمام الأزمات الكبرى، لأنها تُضعف رابطة المواطنة وتحوّل الدولة إلى إطار لإدارة صراع دائم. أما الشرعية التي تنشأ من إشراك القوى الحية في المجتمع ومن تنظيم الخلاف داخل أفق وطني واضح، فتوسّع قاعدة الانتماء، وتعيد ربط السياسة بالمواطنة الفاعلة، وتمنح الدولة قدرة أكبر على الصمود في مواجهة التحديات.
وحين يُدار الخلاف داخل قواعد متفق عليها، تتحول السياسة إلى آلية توازن واستقرار، وتستعيد الدولة قدرتها على التعبئة في مواجهة التحديات الأمنية والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وهي معارك لا تُدار بفاعلية إلا بتوافق واسع وتحمّل جماعي للكلفة.
وقد أظهرت تجارب متعددة أن المصالحة السياسية الواسعة تُخفّف منسوب الاستقطاب وتعيد توجيه الطاقات نحو أولويات مشتركة. فهي لا تلغي الخلافات ولا تذيب التباينات، لكنها تنظّمها ضمن قواعد تحمي الكيان الوطني وتمنع تحوّل الصراع إلى عامل تفكك دائم.
إعادة وصل السياسة بالدولة كشرط للتحول
أحد أعطاب التجربة العربية في السنوات الماضية تمثل في القطيعة المتزايدة بين الدولة والسياسة، حيث جرى التعامل مع المجال السياسي بوصفه عبئا أمنيا أو ساحة صراع صفري. هذه القطيعة أضعفت الدولة ذاتها، لأنها حرمتها من وسائط التمثيل والتأطير، ودفعت قطاعات من المجتمع إلى الانكفاء أو البحث عن قنوات تعبير خارج الأطر المؤسسية.
إن إعادة وصل السياسة بالدولة تمثل شرطا أساسيا لأي تحول قابل للحياة. ويشمل ذلك استعادة المجال السياسي المنظم في صوره المختلفة، من أحزاب فاعلة وتحالفات مستقرة، إلى مؤسسات مجتمع مدني قادرة على الوساطة، ومنابر إعلامية مهنية تنظّم النقاش العام بدل تأجيجه. كما يتطلب هذا المسار إعادة الاعتبار لمبادئ الحوكمة الرشيدة، بما تعنيه من شفافية ومساءلة وتوازن في الصلاحيات، لأن المصالحة التي لا تُترجم إلى قواعد حكم أكثر وضوحا ونجاعة تُخاطر بأن تتحول إلى هدنة مؤقتة.
هذا المنظور، القائم على الإصلاح التدرجي والتفاعل مع الدولة من داخلها، يخلق بيئة أكثر استقرارا يحتاجها الاقتصاد الوطني لاستعادة الثقة وجذب الاستثمار، ويُخفّض كلفة القرار السياسي في لحظات الأزمات.
آليات المصالحة
المصالحة مسار عملي يتكيّف مع خصوصية كل بلد، وتُقاس صدقيتها بمدى ترجمتها إلى خطوات ملموسة تعيد بناء الثقة وتؤشر إلى قطيعة واضحة مع منطق إدارة الخلاف بالعقاب. فالاكتفاء بالخطاب الأخلاقي لا يكفي لإغلاق جراح الماضي أو منع تكرارها. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات العفو العام وإطلاق سراح مساجين الرأي وفتح المجال أمام المهجّرين للعودة الآمنة والكريمة، بما يحمله ذلك من دلالة على فتح صفحة جديدة وإعادة الاعتبار للحق في الاختلاف السلمي.
كما قد تمر المصالحة عبر حوارات وطنية شاملة تعيد فتح النقاش حول قواعد التعايش السياسي، أو مراجعات تشريعية تسمح بتوسيع المشاركة، أو هيئات تعالج إرث الصراعات والانتهاكات دون تحويل الماضي إلى أداة انتقام دائم. غير أن التوافق والحوار، رغم أهميتهما، لم يحظيا في العالم العربي بتطوير كافٍ بوصفهما فلسفة حكم مستدامة، بل غالبا ما فُهما كاستراحة ظرفية بين موجات الصراع. المطلوب اليوم هو الانتقال من التوافق التكتيكي إلى التوافق المؤسسي الذي يُعيد بناء المجال السياسي على أسس واضحة.
الاكتفاء بالخطاب الأخلاقي لا يكفي لإغلاق جراح الماضي أو منع تكرارها. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات العفو العام وإطلاق سراح مساجين الرأي وفتح المجال أمام المهجّرين للعودة الآمنة والكريمة، بما يحمله ذلك من دلالة على فتح صفحة جديدة وإعادة الاعتبار للحق في الاختلاف السلمي.وقد بيّنت تجارب دولية أن مسارات المصالحة، حين تُبنى بتدرّج وضمن أطر مؤسسية تراعي التوازنات الداخلية، قادرة على إخراج المجتمعات من دوائر الصراع الطويل. فقد نجحت جنوب أفريقيا في تحويل انقسام حاد إلى أفق وطني جامع، واستطاعت إسبانيا إرساء توافق سياسي مهّد لاستقرار مؤسساتي وتنموي، فيما أظهرت تجربة كولومبيا أن إنهاء صراعات ممتدة ممكن عندما تُربط المصالحة بالسياسة عوض السلاح. هذه الأمثلة تؤكد أن المصالحة خيار سياسي قابل للتحقق متى توفرت الإرادة والضمانات.
مسؤوليات الأنظمة.. استيعاب السياسة بوصفها قوة
تتحمل الأنظمة العربية مسؤولية مركزية في إنجاح أي مسار للمصالحة، عبر مراجعة نظرتها إلى الفعل السياسي المنظم وتجاوز منطق المنتصر والمهزوم في إدارة الشأن العام. فوجود قوى سياسية قوية ومسؤولة يمثل عنصر توازن ودعامة للاستقرار، خاصة في اللحظات الحرجة التي تُختبر فيها السيادة والشرعية والقدرة على اتخاذ قرارات اقتصادية واجتماعية صعبة. أما إدارة الخلاف بعقلية الغلبة فتمنح استقرارا هشا وسريع الزوال، يخفي تراكما من الهشاشة البنيوية تنكشف في لحظات الاختبار الكبرى.
وقد أظهرت التجارب أن تهميش السياسة، بدافع المخاوف الأمنية أو حسابات المصلحة الضيقة، يؤدي على المدى المتوسط إلى استقطاب أعمق، ونخب أكثر راديكالية، ومجال عام أكثر فوضى، وهو ما ينعكس سلبا على مناخ الأعمال والاستثمار. في المقابل، أثبتت الدول التي أعادت فتح المجال أمام السياسة المنظمة قدرة أعلى على امتصاص الصدمات الاقتصادية والتهديدات الخارجية، لأن الاستقرار السياسي المبني على التوافق يشكل شرطا تأسيسيا لأي مسار تنموي مستدام. كما أن تحسين الحوكمة يعزّز فعالية السياسات العمومية ويقلّص كلفة القرار.
مسؤوليات المعارضة.. إعادة التموقع داخل الأفق الوطني
في المقابل، تقع على عاتق قوى المعارضة مسؤولية لا تقل أهمية، تتصل بمراجعة علاقتها بفكرة الدولة ذاتها. فقد كشفت السنوات الماضية محدودية الرهانات التي تعاملت مع الدولة بوصفها خصما مطلقا، أو اختزلت الصراع في منطق كسر الإرادات، من دون تقديم أفق عملي لإدارة الشأن العام أو معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.
الإصلاح الحقيقي يفترض انتقالا واعيا نحو تموقع سياسي يرى في الدولة ساحة إصلاح ومسؤولية مشتركة، ويقدّم مشروعا قابلا للتفاوض والتنفيذ، وقادرا على طمأنة المجتمع والفاعلين الاقتصاديين معا، عبر خطاب يعيد الاعتبار للمواطنة بوصفها رابطة جامعة. والمعارضة التي تنخرط في منطق الإصلاح التدرجي والمأسسة تكون أقدر على كسب الثقة، وعلى الإسهام في إعادة بناء السياسة بوصفها أداة تنظيم ومعنى، بدل اختزالها في ساحة مواجهة دائمة
من يملك مفاتيح المبادرة؟
في هذا السياق، تبرز دول الثقل الإقليمي بوصفها قادرة على اختبار هذا المسار عمليا. وتمتلك المملكة العربية السعودية مقومات خاصة لهذا الدور، بحكم وزنها العربي والإسلامي، وثقلها الاقتصادي والديني، وما أبدته من طموح متزايد للاضطلاع بدور دولي فاعل يتجاوز محيطها الإقليمي. إن إطلاق مسار مصالحة داخلية موسّعة، مقرون بانفتاح محسوب على قوى الإصلاح في المنطقة، يمكن أن يعزز تماسكها الوطني، ويمنحها عمقا شعبيا عربيا أوسع، كما يؤهلها للإسهام في بناء تكتل إقليمي يستنهض الدول والمجتمعات حول مشروع استقرار وتنمية، ويمنح المنطقة وزنا اقتصاديا وجيوسياسيا أكبر في عالم يعاد تشكيله.
عقبات واقعية في طريق المصالحة
غير أن هذا المسار لا يخلو من عقبات حقيقية لا يمكن القفز عليها. فهناك مخاوف أمنية مشروعة لدى بعض الأنظمة، تغذّيها تجارب سابقة من العنف أو الانهيار، وإرث ثقيل من عدم الثقة بين الدولة وقوى المعارضة تراكم عبر سنوات من الصدام وسوء التقدير. كما تستفيد مصالح سياسية واقتصادية متشابكة من استمرار الصراع، فيما يفاقم الاستقطاب الأيديولوجي الحاد صعوبة إدارة الخلاف وتحويله إلى تنافس سياسي منظم.
الإصلاح الحقيقي يفترض انتقالا واعيا نحو تموقع سياسي يرى في الدولة ساحة إصلاح ومسؤولية مشتركة، ويقدّم مشروعا قابلا للتفاوض والتنفيذ، وقادرا على طمأنة المجتمع والفاعلين الاقتصاديين معا، عبر خطاب يعيد الاعتبار للمواطنة بوصفها رابطة جامعة. والمعارضة التي تنخرط في منطق الإصلاح التدرجي والمأسسة تكون أقدر على كسب الثقة، وعلى الإسهام في إعادة بناء السياسة بوصفها أداة تنظيم ومعنى، بدل اختزالها في ساحة مواجهة دائمةوالتعاطي الواعي مع هذه العوامل شرط أساسي لتصميم مسارات مصالحة واقعية وقابلة للاستمرار، لأن تجاهلها أو القفز فوقها لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة في صورة جديدة.
نحو أفق جديد
في المحصلة، تحتاج دولنا إلى إعادة تنظيم علاقتها بذاتها، لأن البيئة الدولية المتقلبة لا تمنح فرصا طويلة للدول المنقسمة على نفسها. فالتحديات التي تواجهها المنطقة تمسّ شروط البقاء والقدرة على الفعل في عالم يعاد تشكيله بسرعة وقسوة. وفي هذا السياق، تبرز المصالحة الوطنية كخيار استراتيجي يتيح حشد الطاقات وتجميع الكفاءات ضمن مشروع جامع يعزز الدولة ويصون المجتمع.
ويبقى الامتحان معلقا بإرادة النخب وقدرتها على ترجيح منطق الشراكة على حساب استنزاف الداخل، وعلى تحويل الخلاف إلى طاقة تنظيم وبناء بدل أن يظل مصدر إنهاك دائم. فالمستقبل لا يُصنع بردود الفعل ولا بإدارة الأزمات المتلاحقة، وإنما بتشييد أفق مشترك يستند إلى الثقة المتبادلة والقدرة على التوافق حول الأولويات الكبرى.
ذلك هو الرهان الحقيقي: بناء دول متماسكة قادرة على حماية سيادتها، ومجتمعات واثقة من قدرتها على المشاركة في رسم مصيرها.
سياسي وكاتب من تونس







