مصرملفات وتقارير

سياسات مشروع مستقبل مصر وإعادة صياغة الخارطة الزراعية والاجتماعية في البلاد

تتبنى الدولة المصرية حاليا استراتيجية واسعة النطاق تهدف إلى تغيير ملامح القطاع الزراعي بشكل جذري ومنظم، حيث يعتمد مشروع مستقبل مصر على رؤية إدارية واستثمارية حديثة تسعى لدمج الأراضي الصحراوية في الدورة الاقتصادية الوطنية، ويظهر هذا التوجه من خلال الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية والعروض التوضيحية المتطورة التي تعكس رغبة القيادة السياسية في تحويل الزراعة من مجرد نشاط تقليدي إلى قطاع استثماري جاذب لرؤوس الأموال الكبرى والمستثمرين الأجانب، وتتجلى هذه السياسة في تقديم نماذج إدارة تعتمد الانضباط واللغة التسويقية بعيدا عن الأنماط القديمة، وهو ما يضع البلاد أمام مرحلة انتقالية كبرى في التعامل مع الموارد الطبيعية المتاحة حاليا.

تستهدف الإدارة الجديدة من خلال مشروع مستقبل مصر خلق بيئة استثمارية متكاملة تدار بعقلية اقتصادية خالصة، حيث يتم التعامل مع الأرض باعتبارها أصلا رأسماليا يدر عوائد ريعية وإيجارية مرتفعة، وقد ساهم تحويل هذا المشروع إلى جهاز تابع للقوات المسلحة بقرار جمهوري في منح دفعة قوية لعمليات الاستصلاح والتوسع الجغرافي، لا سيما بعد ترقية بهاء الغنام إلى رتبة عقيد وحصوله على درجة الدكتوراه في تنمية الموارد، مما يعزز من كفاءة الإدارة الفنية للمشروع الذي بات يشرف على مساحات شاسعة تقدر بنحو 4.5 مليون فدان موزعة على مختلف أنحاء الجمهورية، وتعتمد هذه المنظومة على معايير صارمة تتعلق بالقدرة المالية والتقنية للمتعاقدين مع الجهاز.

التحولات الهيكلية في ملكية الأراضي وإدارة الموارد المائية

تشير البيانات الرسمية والقرارات السيادية إلى تسارع وتيرة تخصيص الأراضي لصالح مشروع مستقبل مصر، حيث صدر القرار الجمهوري رقم 114 لسنة 2024 لإعادة تجميع مساحات كبرى في شرق القناة وسيناء، وتبعه القرار رقم 285 لسنة 2024 لتخصيص أراض في بني سويف والمنيا وأسوان، وصولا إلى القرارات 338 و339 و341 التي شملت محافظات البحيرة وقنا، ويعكس هذا النمط الإداري رغبة الدولة في السيطرة المباشرة على مفاصل الإنتاج الزراعي وتأمين مصادر الطاقة والمياه اللازمة للمشروعات الكبرى، مما يفتح الباب أمام الشركات العملاقة للتوسع في الزراعات التصديرية التي تستهدف الأسواق العالمية وتساهم في جلب العملة الصعبة للبلاد بشكل مستمر ومستقر.

تتزامن هذه التحركات مع تغيرات ملموسة في الأراضي القديمة بالدلتا والوادي، حيث أدت سياسات تحرير الإيجارات ورفع الدعم عن مستلزمات الإنتاج إلى ضغوط اقتصادية كبيرة، وارتفعت القيمة الإيجارية لأراضي الأوقاف من 500 جنيه في عام 2014 إلى نحو 45 ألف جنيه في القفزة الأخيرة، وتعتمد وزارة الأوقاف في تقديراتها على “المقارنة السوقية” التي تربط سعر الأرض بالعوائد الاستثمارية السائدة في المنطقة المحيطة، وهو ما أدى إلى تقلص المساحات التي يستأجرها صغار المنتجين لتصل في بعض الأحيان إلى قيراط واحد فقط، مما يعكس تحول الأرض إلى سلعة مالية تخضع لقوانين العرض والطلب بعيدا عن الحسابات التقليدية للزراعة المعيشية.

إقصاء الصغار وصعود النموذج الاستثماري في الزراعة الحديثة

يؤدي نظام العمل في مشروع مستقبل مصر إلى رسم حدود واضحة بين المستثمرين القادرين على تحمل تكاليف البنية الأساسية وبين الفئات المحدودة، حيث تضع مشروعات مثل “الريف المصري الجديد” حدا أدنى للمساحات المطروحة يصل إلى 238 فدانا، وهو ما يجعل الدخول في هذه المنظومة مقتصرا على الشركات أو التحالفات المالية الكبيرة، وتتجه البوصلة الإنتاجية حاليا نحو المحاصيل ذات القيمة التصديرية العالية بدلا من محاصيل الاكتفاء الذاتي التقليدية، مما يعيد ترتيب الأولويات الاقتصادية للريف المصري ويحول الزراعة إلى نشاط رأسمالي يعتمد على الكفاءة التقنية العالية والقدرة على المنافسة في الأسواق الدولية التي تتطلب مواصفات قياسية محددة.

تنتج عن هذه التحولات الاقتصادية والاجتماعية آثار ممتدة تشمل تغيير النظم الغذائية المحلية وزيادة معدلات البحث عن فرص عمل بديلة خارج القطاع الزراعي، حيث سجلت الإحصاءات الرسمية لعام 2024 احتلال مصر المرتبة الثانية عالميا في تصدير الهجرة غير النظامية نتيجة ضيق الفرص في المناطق الريفية التقليدية، وتستمر الدولة في تنفيذ خطتها الرامية لتحديث القطاع عبر دمج المؤسسة العسكرية في إدارة الأصول الزراعية لضمان سرعة التنفيذ والسيطرة على الموارد، وهو ما يعتبره المحللون نموذجا لليبرالية السلطوية التي تزاوج بين قوة الدولة وآليات السوق المفتوح لتحقيق طفرة في الصادرات الزراعية الطازجة وتوسيع رقعة الاستصلاح.

يستمر مشروع مستقبل مصر في كونه قاطرة التنمية الزراعية الجديدة التي تزيح الأنماط القديمة لصالح رؤية استثمارية شاملة، وتعتمد الإدارة الحالية على تقليل دور الهيئات المدنية التقليدية لصالح أجهزة أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع كبار المستثمرين، مما يؤدي في النهاية إلى إعادة تشكيل الخارطة الديموغرافية والاقتصادية للقرية المصرية، وبينما تتزين التقارير بصور الاخضرار والإنجازات الرقمية، يظل التحدي القائم هو كيفية موازنة هذه الطفرة الاستثمارية مع الاستقرار الاجتماعي للفئات التي تجد نفسها خارج إطار التصميم البنيوي الجديد للمنظومة الزراعية التي باتت تحكمها لغة الأرقام والمكاسب الرأسمالية وحدها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى