
في الفترة بين 18 و26 فبراير 2026، أصدر حزب غد الثورة سبعة بيانات متتالية، تناولت الوضع الاقتصادي والعقد الاجتماعي في مصر خلال هذه المرحلة.
قد تبدو بيانات الحزب للوهلة الأولى تعليقات سياسية على ملفات متفرقة، مثل: الاستيراد، الدين العام، الطبقة الوسطى، صندوق النقد، مصداقية الأرقام الحكومية، والإيجار القديم.
لكن بقراءة متأنية وتحليل عميق، يتضح أن الأمر لم يكن مجرد تتابع بيانات.. بل محاولة لبناء سردية اقتصادية متكاملة في لحظة سياسية ضاغطة. فالمسألة لا تتعلق بعدد البيانات بقدر ما تتعلق بطريقة بنائها وتوقيتها وتسلسلها.
من السوق إلى الموازنة.. ثم إلى المجتمع
بدأت السلسلة في 18 فبراير بملف قانون الاستيراد، حيث لم يكن الطرح رفضًا للتنظيم، بل تحذيرًا من أن القيود الإدارية غير المدروسة قد تخلق احتكارًا بدلًا من أن تحمي المنافسة.
الجملة المفتاحية كانت واضحة.. “الاقتصاد الرشيد لا يقوم على الانفلات، كما لا يُدار بالإغلاق.”
بعد يومين، انتقل الخطاب إلى ملف الدين والموازنة، إذ لم يكن الحديث عن رقم مجرد، بل عن أثر خدمة الدين على توزيع الإنفاق العام، فعندما تستحوذ الفوائد والأقساط على مساحة واسعة من الموازنة، فإن السؤال لا يصبح ماليًا فقط، بل سياسيًا أيضًا، حيث سيكون تأثيره على المجتمع أقوى، ولن يدفع الثمن إلا المواطن المطحون
ثم جاء بيان 21 فبراير ليُدخل الطبقة الوسطى إلى قلب النقاش، لينتقل المستوى من نقاش مالي بحت إلى نقاش استقرار اجتماعي، فالطبقة الوسطى، كما وُصفت، ليست مجرد شريحة.. بل “صمام أمان الدولة الحديثة”.
من التحليل إلى المساءلة
اتسمت البيانات في بدايتها بلغة تحليلية أقرب إلى الخطاب التكنوقراطي؛ “حديث عن سقف للدين، وخطة زمنية، وتمكين القطاع الخاص، وإصلاح هيكلي”.
لكن بيان 22 فبراير حمل عبارة لافتة:
“إدارة المال العام ليست شأنًا تقنيًا مغلقًا، بل هي عقد ثقة بين الدولة والمواطن.”
هذه الجملة تنقل النقاش من إدارة مالية إلى فلسفة حكم، حيث تصبح الشفافية جزءًا من الاستقرار الاقتصادي ذاته، لا مجرد مطلب سياسي.
ثم جاء بيان 25 فبراير حول رقم “60 مليون إفطار” الذي أعلنه رئيس الوزراء، ليشكل نقطة تصعيد واضحة. طرح البيان معادلة منطقية ردًا على التصريح الحكومي:
“إما أن نصف المجتمع يحتاج دعمًا غذائيًا يوميًا.. أو أن الرقم غير دقيق.”
في الحالتين، لم تعد القضية غذاءً فقط.. بل مصداقية وشفافية.
الخيط الذي يجمع كل الملفات
إذا جمعنا ملفات الاستيراد، والدين، والتضخم، والطبقة الوسطى، وصندوق النقد، والإيجار القديم، نجد خيطًا واحدًا يتكرر:
غياب التوازن بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية.
الخطاب لا يرفض الانضباط المالي، بل يؤكد ضرورته.
ولا يدعو إلى دولة مغلقة، بل إلى سوق منظم.
ولا يهاجم الاقتراض كمبدأ، بل يحذر من تحوله إلى بديل دائم عن الإصلاح الإنتاجي.
الطرح هنا أقرب إلى ليبرالية اجتماعية مؤسسية، تحاول الجمع بين تمكين القطاع الخاص وحماية الفئات الأكثر هشاشة، وبين ضبط الموازنة وإعادة بناء الثقة.
بناء بديل أم تسجيل موقف؟
اللافت أن الخطاب في هذه البيانات لم يستخدم مفردات صدامية مثل “انهيار” أو “سقوط” أو “فشل تام”.
بل اعتمد مفردات مثل: “إعادة ترتيب.. إصلاح.. شفافية.. رقابة.. توازن”.
هذا يعكس محاولة تموضع سياسي مختلف؛ ليس كمعارضة احتجاجية شكلية، بل كتيار يسعى لتقديم رؤية رشيدة لملفات مفصلية في الاقتصاد المصري.
لكن أي سردية اقتصادية لا تكتمل إلا حين تتحول من مواقف تحليلية إلى برنامج محدد، بأرقام وجداول زمنية ومؤشرات قياس أداء واضحة.
وهنا يبرز السؤال الأهم
هل نحن أمام مجرد نقد منظم للسياسات القائمة؟
أم أمام نواة مشروع اقتصادي متكامل يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع؟
الإجابة تتطلب قراءة أعمق، تتجاوز حدود المقال إلى تحليل منهجي مفصل للسلسلة، وهو ما سنحاول تناوله في أوراق تحليلية لاحقة.
فالاقتصاد ليس جداول في الموازنة فقط..
بل طريقة في إدارة الدولة.
وطريقة في توزيع الأعباء.
وطريقة في بناء الثقة.
وهذه الثقة هي ما يبدو أنه الموضوع الحقيقي خلف سبعة بيانات في ثمانية أيام.







