مقالات وآراء

هشام جعفر يكتب: الفضاء الرقمي ..الداعية الإنفلونسر: لماذا انتصر “ترميم” مصطفى حسني على “منظومة” عمرو خالد

إن الانتقال من نموذج “الداعية النجم”، أو ما أطلق عليه في العقد الأول من هذا القرن “الدعاة الجدد”، إلى نموذج “الداعية المؤثر- Religious Influencer”، ليس مجرد تغيير في الوسيط التقني، بل تحول جوهري في طبيعة السلطة الدينية ومعايير مقبوليتها.

يسعى المقال لتفكيك هذا التحول عبر مقارنة نقدية بين تجربتي مصطفى حسني وعمرو خالد، الداعيين المصريين، معتبرًا أن نجاح الأول وتعثر الثاني في التحول نحو نمط الداعية المؤثر يمثل استجابات متباينة لشروط ما أطلقت عليه في مقالات أخرى “التدين الخوارزمي”.

يمثل مصطفى حسني الذروة في تطويع المقدس ليتناسب مع “اقتصاد الانتباه”، حيث يتم “تقييف” التوقعات الدينية لتلائم القدرات النفسية المنهكة للفرد المعاصر. في المقابل، يمثل عمرو خالد حالة من الصراع البنيوي مع الوسيط؛ إذ يحاول ضخ مفاهيم تستند إلى منظومة من القواعد في بيئة رقمية تميل بطبعها نحو السيولة والتفتيت.

إن الإشكالية المركزية التي يطرحها هذا المقال تتمثل في رصد كيفية التحول الديني -لدى قطاعات من الشباب والشابات- من “بوصلة أخلاقية وجماعية” إلى “منتج استهلاكي علاجي” مصمم خصيصًا لمواجهة “ندوب عدم اليقين” التي يعاني منها قطاعات في جيل زد.

ونحن بصدد دراسة حالة من “التدين السائل” بحسب مفهوم عالم الاجتماع زيجمونت باومان، والذي لا يهدف إلى بناء “مجتمع مؤمن” بقدر ما يهدف إلى خلق “فرد مرتاح نفسيًا” داخل منظومة اقتصادية وتقنية تنهب انتباهه باستمرار. هذا “التوافق الوظيفي” بين بعض الخطابات الدينية المعاصرة وبين متطلبات المنصات الرقمية يطرح تساؤلات وجودية حول مستقبل السلطة الدينية والوعي السياسي للأجيال القادمة.

“تجار الانتباه”: تفكيك الخطاب الديني في البيئات السيبرانية
يستند الإطار النظري لفهم ظاهرة “الداعية المؤثر” إلى أطروحة أستاذ القانون تيم وو في كتابه “تجار الانتباه- The Attention Merchant”، حيث يرى أن الصناعات الحديثة ترتكز على استراتيجية “حصاد الانتباه” بوصفه سلعة رأسمالية أساسية. وفي هذا السياق، لم يعد الدين فضاءً منزهًا عن التسليع، بل خضع لعملية “استعمار خوارزمي” أعادت تشكيل “المقدس” ليصبح منتجًا قابلًا للاستهلاك السريع والمريح. إن معايير نجاح الداعية في هذا النظام لم تعد تُقاس بالرصانة العلمية أو العمق الفقهي، بل بمدى توافقه مع “قوانين المنصة” التي تفرض تبسيطًا مخلًا وتفتيتًا بنيويًا للمحتوى، وذلك لضمان البقاء ضمن دائرة الرؤية الرقمية.

إن الانتباه في هذا السياق ليس مجرد “مشاهدة” عابرة، بل هو فعل “استملاك ذهني” يفرض على الداعية التخلي عن “النفس الطويل” في الوعظ، لصالح “الخاطرة الخاطفة” التي تضمن اقتناص المتلقي ومنعه من “تخطي” مقطع الفيديو في الثواني الثلاث الأولى.

يتسق هذا التحول مع ما طرحه أستاذ الدراسات الإسلامية الدكتور جاري ر بونت في كتابه “هاشتاج إسلام- Hashtag Islam“، إذ يرى أن “البيئات الإسلامية السيبرانية- CIEs” تعيد تعريف السلطة الدينية جذريًا؛ فالسلطة هنا لم تعد هرميةً تستمد مشروعيتها من المؤسسات التقليدية أو الإجازات العلمية الموثقة، بل أصبحت “أفقية” تنبثق من القدرة على توليد التفاعل “Engagement” والانتشار العابر للحدود. يدرك الداعية المؤثر أن “الهاشتاج” و”التريند” هما المرجعيتان الجديدتان المانحتان للشرعية؛ لذا يتم تكييف الرسالة الدينية لتكون “خفيفة سيالّة” قادرة على العبور عبر الخوارزميات دون مقاومة.

إن هذا “التدفق الرقمي” للديني قد يسحب البساط من تحت أقدام الفقيه التقليدي لصالح “المترجم الرقمي” الذي يتقن لغة المنصات، ما يؤدي إلى حالة من “سيولة السلطة” والتي يصبح فيها الجمهور هو المانح الفعلي للشرعية الدينية من خلال “اللايك” و”الشير”.

ووفقًا للباحثة في علوم الإعلام، الدكتورة كارين نيلسون-فيلد، في كتابها “اقتصاد الانتباه- The Attention Economy“، فإن طبيعة المنصة هي التي تملي على المحتوى شكله البصري والزمني وقيمته التسويقية. ومن هنا، نجد أن الداعية الإنفلونسر يتخلى عن “النص الثقيل” لصالح “الصورة الذهنية” و”الحالة الشعورية”؛ إذ إن عملية “تفكيك الرسالة الدينية” وتحويلها إلى شذرات “Fragments” رقمية ليست إلا استجابة حتمية لما يصفه لين وأتشلي بـ “الإجهاد المعرفي” للمتلقي المشتت. ففي بيئة تفيض بالمعلومات، تصبح “السعة المعرفية” للبشر محدودة للغاية، ما يجعل الخطاب الديني “المُعلب” في كبسولات صغيرة هو الوحيد القادر على اختراق حاجز التشتت.

لا يسمح هذا النظام بالتعقيد أو الجدل العقدي، بل يفرض “روحانية استهلاكية” تركز على المشاعر واللحظة الراهنة، ما يجعل الدين يتخلى تدريجيًا عن وظائفه الكبرى كمنظومة تشريعية أو سياسية، ليتحول إلى “محتوى رقمي” يتنافس مع المحتوى الترفيهي على ثوانٍ معدودة من وعي المشاهد.

يخلق هذا “التوافق مع الخوارزمية” نوعًا من “الداروينية الرقمية”؛ حيث لا بقاء إلا للخطاب الذي يتواءم مع شروط اقتصاد الانتباه. وهذا ما يفسر الفجوة بين مصطفى حسني الذي استطاع “التبخر” أو “الذوبان” داخل الوسيط الرقمي ليصبح جزءًا عضويًا منه، وبين عمرو خالد الذي لا يزال يحاول حشر “ثقل المنظومة الدعوية” في مسارات اقتصاد الانتباه الضيقة.

حتى أصبح الخطاب الديني هنا لا يهدف إلى تغيير الإنسان بقدر ما يهدف إلى “إرضاء الخوارزمية” لضمان الوصول إلى الإنسان. ويمارس هذا التحول البنيوي نوعًا من “العنف الرمزي” كما يشير كتاب “الميتا-سياسة والعنف”، وذلك عبر استبعاد القضايا المعقدة والجماعية لصالح قضايا فردية مشفرة خوارزميًا، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى “تصحير المعنى” الديني الكلي واستبداله بـ “ضجيج رقمي” يمنح شعورًا زائفًا بالرضا النفسي واليقين المؤقت.

مصطفى حسني وهندسة “الترميم النفسي”
يمثل مصطفى حسني الحالة الأكثر نضجًا لما يمكن تسميته بـ “المنصة الدينية- Religious “Platformization أو إعادة إنتاج الخطاب الديني، والذي لم يعد مجرد محتوى يُبث عبر المنصات، بل أصبح “منتجًا خوارزميًا” بامتياز.

وبالاستناد إلى كارين نيلسون-فيلد في “اقتصاد الانتباه”، نجد أن حسني يدرك بعمق أن قيمة المحتوى في البيئات الرقمية ولا يستمدها من رصانته الموضوعية بل من “قابلية استبقاء الانتباه- Attention Retention”. لذا، نلحظ استثمارًا ضخمًا في “جماليات السَكَينة”؛ تبدأ من كادر سينمائي ضيق يحد من التشتت البصري، وموسيقى تصويرية تعمل في الخلفية كإيقاع مهدئ، ولغة الجسد التي تتخلى عن حركات اليد الانفعالية لصالح السكون الحميمي. هذه العناصر ليست مجرد ديكور بصرى، بل هي استراتيجية تقنية لتقليل “الحمل المعرفي- Cognitive Load” على المتلقي، تماشيًا مع ما ذكره شون لين وبول أتشلي في كتابهما “القدرة البشرية في اقتصاد الانتباه“؛ فالمشاهد المجهد رقميًا يبحث عن “منطقة راحة” لا تتطلب مجهودًا في التفسير أو التأويل.

سوسيولوجيًا، يمارس حسني عملية “تسييل” للمقدس لتتناسب مع ما أسميه “الفردية الجبرية”؛ إذ يتحول الديني من “منظومة أخلاقية تكليفية” تخاطب الفرد والجماعة معًا، إلى “حقيبة أدوات ترميمية” تخاطب الفرد في عزلته الرقمية. فالديني هنا لا يطالب من الفرد تغيير “الواقع”، بل يطلب منه “التكيف النفسي” مع آثار الواقع. يمثل هذا النوع من الوعظ التجسيد الكامل لـ “خصخصة المعاناة”؛ حيث تُختزل المشكلات الناتجة عن سياقات بنيوية “سياسية أو اقتصادية” في صورة “ندوب نفسية” تحتاج إلى ـ “يقين مؤقت” يوفره الداعية المؤثر.

إن “الفردية الجبرية” هنا، هي خيار الضرورة لا الرفاهية؛ حيث لا تنبع من نزعة تحرر ليبرالية، بل هي “قدر” يفرضه انهيار الهياكل المؤسسية والوسيطة التي كانت تمنح الأمان واليقين سابقًا. هي حالة من الانكفاء يجد فيها الفرد نفسه مضطرًا للاعتماد على استقلال ذمته الشخصية، ليس خيارًا أيدولوجيًا بل طريقًا للنجاة، بحثًا عن “مخبأ” للهرب من بنى صماء لا تستوعب احتياجات الشباب ولا تسمع أنينهم الاقتصادي أو الثقافي والاجتماعي.

ومن منظور تيم وو في “تجار الانتباه”، يعمل حسني كـ “حاصد محترف” للوعي عبر تقديم “الإلهاء الروحي”؛ فهو لا يزعج الخوارزمية بمحتوى استقطابي، بل يقدم محتوى “آمنًا” يضمن بقاء المستخدم أطول فترة ممكنة داخل المنصة، ومحولًا الصلاة والذكر من أفعال عبادية إلى تقنيات “يقظة ذهنية- Mindfulness” بمرجعية إسلامية، ما يضمن بالضرورة رضا المعلنين وتدفق رعاياتهم.

تكمن الخطورة في هذا النموذج، كما يلمح كتاب “الميتا-سياسة والعنف”، في ممارسة نوع من “العنف الرمزي” عبر التسكين المفرط. فبينما يعاني جيل زد من تداعيات “تصحير السياسة”، وانعدام اليقين الوظيفي في الزمن النيوليبرالي، يأتي خطاب حسني ليملأ هذا الفراغ بوعود “الترميم الذاتي”، ما يسلب الفرد القدرة على التفكير في مسببات ألمه الحقيقية. إن نجاح مصطفى حسني هو انتصار لـ “الوسيط” الذي يطلب الخفة والسيولة؛ حيث أصبح الداعية هو “مقدم الخدمة” الذي يضمن للمستهلك الرقمي رحلة “خالية من المجهود المعرفي” في غابة اقتصاد الانتباه الموحشة.

عمرو خالد: إخفاق الداعية النجم في الزمن الرقمي
في المقابل، يمثل خطاب عمرو خالد في برنامجه الأخير “الفهم عن الله” 2023/ 2024، حالة من الارتباك البنيوي بين إرث “الداعية النجم” وبين متطلبات “الداعية المؤثر” الخوارزمي. تكمن الإشكالية المركزية لدى خالد في عجزه عن التخلي عن “ثقل المنظومة”؛ فهو ما يزال يراهن على التمسك بـ “القواعد” كبنية أساسية للخطاب. وبناء القاعدة، بطبيعته، هو “هندسة ذهنية” تتطلب استمرارية في التركيز والانتباه والقدرة على الربط المنطقي بين المقدمات والنتائج، وهو ما يتناقض جذريًا مع طبيعة “التصفح- Browsing” التي تفرضها البيئات السيبرانية وفقًا لجاري بونت في أطروحته “هاشتاج إسلام”؛ حيث يستهلك الشاب المعاصر المحتوى في شذرات مكثفة لا تتجاوز مدتها الدقيقة الواحدة، فتصبح محاولات خالد لبناء “فهم كلي” عبئًا معرفيًا ثقيلًا يؤدي إلى “نفور انتباهي” سريع.

يظهر خالد في صراع مع مفهوم “الأصالة المتخيلة- Authenticity” التي تتطلبها المنصات الرقمية. وفقًا لـ “بونت”، فإن السلطة الدينية الرقمية أصبحت “أفقية” وتشاركية، بينما لا يزال عمرو خالد يمارس “الأبوية الوعظية”؛ فهو الأستاذ الذي يمتلك “مفاتيح الفهم” ويقوم بتلقينها للجمهور. وهذه المسافة السلطوية تجعل خطابه يبدو “مصطنعًا” و”معد مسبقًا- Pre-packaged”، ما يصطدم مع “سيولة” المنصات مثل “تيك توك وإنستجرام” التي تمنح المصداقية للمؤثر الذي يبدو عفويًا غير متكلف. ويحاول خالد استخدام “أدوات” الإنفلونسر : “التصوير في الطبيعة، والحركة السريعة” لكنه يفتقد لـ “جوهر” الإنفلونسر، ما يجعله يبدو كمن يحاول حشر عقلية “الاستوديو التلفزيوني” داخل “الهاتف المحمول”.

ومن منظور “اقتصاد الانتباه”، يفشل خالد لأنه يطلب من المتلقي “استثمارًا معرفيًا” باهظًا في مقابل عائد “عاطفي” أقل فورية من ذلك الذي يقدمه حسني. وبينما يركز الأخير على “اللحظة الشعورية”، يؤكد خالد على “العمل المستقبلي” أو “التنمية الروحية”، الخطاب الذي ينتمي لعصر “الكتل الصلبة” والمشاريع الكبرى التي تلاشت في زمن تصحير السياسة.

قطاعًا واسعًا من جيل زد المحاصر بـ “الفردية الجبرية”، يجد في دعوات “الفهم والتطبيق” نوعًا من الإجهاد الذي يحاول الهرب منه أصلًا. وبذلك، يتحول عمرو خالد من رائد للدعاة الجدد إلى “بقايا نموذج” يحاول ملاحقة خوارزمية لم تعد تعترف بسلطة “النجم” بقدر اعترافها بـ “المحتوى السائل” الذي ينساب مع رغبات المستهلك الرقمي دون مقاومة.

إن هذا الإخفاق هو في جوهره فشل في إدراك أن التدين في عصر الإنفلونسر لم يعد “مشروعًا لصناع الحياة”، بل بات “منتجًا للتعايش” مع واقع مأزوم يدفع بقوة نحو الفردية الجبرية. وتظهر هذه الفردية كنتيجة مباشرة لغياب أو تآكل دور الأب المؤسسي “الدولة” والأب الاجتماعي “الأسرة” والأب الروحي “المؤسسات والتنظيمات الدينية”، مما يترك الفرد وحيدًا في مواجهة مصيره، وهو الفراغ الناتج عن “الرغبة في التغيير” وغياب الأدوات “كالنقابات والأحزاب”، ما يدفع الفرد للارتداد نحو “الأنا” ومحاولة تعديل كيمياء دماغه ليتوافق مع قسوة البنية المحيطة به. وهو ما أتقن حسني استثماره وفشل خالد في استيعابه.

صراع المعالجة الشعورية والمنظومة الذهنية

الصورة مولدة باستخدام الذكاء الاصطناعي

تتجلى الفجوة البنيوية بين نموذجي مصطفى حسني وعمرو خالد بوضوح عند فحص الكيفية التي يتم بها “تسييل” مفهوم “التسليم والرضا” وتحويله من أصل عقدي إلى منتج استهلاكي.

في خطاب عمرو خالد الجديد “الفهم عن الله”، يُطرح التسليم كـ “منظومة ذهنية- Systemic Cognition”؛ حيث يطالب خالد المتلقي ببناء “قاعدة” لاستبصار الحكمة الكامنة في البلاء. وهذا الطرح، رغم محاولاته الحداثية، لا يزال يفرض “تكلفة معرفية عالية- High Cognitive Cost”؛ حيث يتطلب من المشاهد ممارسة عمليات ذهنية معقدة من الربط والتحليل والاستنتاج لكي “يفهم” مراد الله ومن ثم “يرضى”.

لكن، وبناءً على ما طرحه لين وأتشلي في “القدرة البشرية في اقتصاد الانتباه”، فإن هذا الاستثمار المعرفي المطلوب يصطدم مباشرة بحالة “الإفلاس الانتباهي” التي يعيشها جيل زد؛ فالمتلقي المنهك الذي يفر نحو الشاشة هربًا من ضغوط “الفردية الجبرية” لا يمتلك السعة الذهنية الكافية لهضم “منظومة قواعد” تتطلب نفسًا طويلًا، مما يجعل خطاب خالد يبدو وكأنه “عمل إضافي” يُلقى على كاهل المشاهد المكدود.

وفي المقابل، يمثل خطاب مصطفى حسني حول التسليم الذروة في استراتيجية “المعالجة الشعورية- Affective Processing”. فهو لا يطلب من المتابع “الفهم”، بل يطلب منه “الاستسلام للّطف”، فيحول القدر من “فعل إلهي يحتاج لتأويل” إلى “حضن إلهي يحتاج لشعور”. وبحسب كارين نيلسون-فيلد، نجح حسني في تصميم محتواه ليكون “منخفض المقاومة- Low Resistance”؛ فهو لا يصادم عقل المشاهد بأسئلة وجودية ثقيلة، بل يداعب “ندوب عدم اليقين” لديه بلغة حانية وصورة سينمائية تغلف المعاناة بغطاء من الرومانسية الروحية.

وهنا يتم تسييل المعنى “بالمعنى الباوماني للسيولة”؛ حيث يذوب المفهوم العقدي الصلب للتسليم في سائل الوعظ النفسي، ليتحول إلى “حقنة دوبامين روحية” توفر راحة فورية دون الحاجة لبناء معرفي.

هذا “الترميم النفسي” هو المنتج المثالي في “اقتصاد الانتباه” الذي وصفه تيم وو؛ لأنه يضمن “إشباعًا لحظيًا” يدفع المستخدم للمزيد من الاستهلاك، محولًا الدين إلى “تقنية مهدئة” تتوافق تمامًا مع إيقاع الحياة الرقمية المتسارع. يكمن الفرق الجوهري هنا في “وظيفة الديني”؛ فبينما يحاول خالد ‘بإرثه التنموي القديم‘ جعل التسليم “منصة للعمل والتحرك”، يحوله حسني إلى ‘وسادة للاستكانة والتعايش‘.

نجح حسني لأن خوارزميات المنصات تنحاز للمحتوى الذي لا يتحدى المستخدم، بل الذي يجعله “يشعر بالرضا” عن حالته الراهنة. وبذلك، تصبح “خاطرة” حسني حول التسليم أكثر “توافقًا رقميًا” في نظر جيل زد من “قاعدة” خالد؛ لأنها لا تطلب منه شيئًا سوى أن “يسمح لنفسه بالبكاء والسكينة”، وهي دعوة مريحة لجيل محطم بنيويًا يجد في منظومة خالد “عبئًا تعليميًا” يذكره بفشله في السيطرة على واقعه.

تصحير الوعي عبر الخوارزمية
بالاستناد إلى كتاب “الميتا-سياسة، الخوارزميات، والعنف”، نجد أن اقتصاد الانتباه الرقمي لا يقوم فقط بفلترة المحتوى، بل بإعادة صياغة “ما هو ممكن” في ذهن المستخدم. فيمارس مصطفى حسني، في جوهر خطابه عنفًا رمزيًا ناعمًا عبر “إزاحة المساءلة”؛ فهو يعيد تأطير الأزمات البنيوية الناتجة عن سياقات سياسية واقتصادية خانقة “تصحير السياسة، والسوق في العصر النيوليبرالي الشرس” لتظهر كـ “اختبارات روحية فردية” أو “خلل في التوازن النفسي الداخلي”، فيحول هذا التأطير “الغضب الجماعي” المحتمل تجاه الواقع إلى “حزن فردي” يتم معالجته عبر “الترميم الروحي”.

ومن منظور جاري بونت، فإن هذا “التدين السيبراني” يعمل كعازل للصدمات؛ حيث تضمن الخوارزمية وصول هذا الخطاب “الآمن” لأنه يحافظ على استقرار المستخدم داخل المنصة كـ “مستهلك سلبي” لا كـ “فاعل اجتماعي”، وبذلك يضمن تدفق الإعلانات.

في هذا السياق، يظهر إخفاق عمرو خالد كونه لا يزال يحمل في “حمضه النووي الدعوي” بقايا الخطاب الحركي الذي يشتبك مع الواقع، حتى وإن حاول تغليفه بالروحانيات. هذا التشابك يجعل خطابه “مجهدًا” للخوارزمية وللمتلقي معًا؛ ففي زمن “الفردية الجبرية”، يبدو أي حديث عن “تغيير” أو “فهم يقود لعمل” محرجًا ومؤلمًا للفرد الذي سُدت أمامه سبل الفعل.

أتقن مصطفى حسني، بذكائه كإنفلونسر، “تجميل العجز” عبر تقديم “الترياق”؛ فهو لا يطلب منك أن تفعل، بل يطلب منك أن “تتعافى”. وهذا هو لب العنف الرمزي؛ إذ يتم إقناع الضحية “الجيل الشاب” بأن علاج مأساتها يكمن في “تعديل إعداداتها النفسية” وليس في تعديل البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ما يخدم في النهاية استدامة منظومات السيطرة وهياكل القوة القائمة.

إن إعادة إنتاج المحتوى الديني على مقاس الخوارزمية تساهم في “تصحير المعنى السياسي للخطابات الدينية”. فبينما يتحدث جاري بونت عن قدرة الإنترنت على تفتيت السلطة التقليدية، نجد أن الداعية المؤثر أعاد بناء سلطة جديدة تعتمد على “الإجماع الرقمي” و”كثافة الانتباه”. هذه السلطة الجديدة هي سلطة “تخديرية” بامتياز؛ فهي تجعل من الديني “منتج لايف كوتشينج- Life Coaching” منزوع الدسم السياسي.

إن نجاح مصطفى حسني الكبير يؤكد أننا أمام مرحلة “موت المعاني الكلية” لصالح “الشذرات الروحية” التي تخدم استهلاك الفرد المجهد. وفي المقابل، يبدو تعثر خالد بمثابة إعلان وفاة نموذج الداعية الذي كان يطمح ليكون “صانع حياة”، لصالح الداعية الذي أصبح “عامل صيانة نفسية” في اقتصاد الانتباه الكبير.

والمحصلة هي جيل يمتلك “سكينة رقمية” مرتفعة، لكنه يفتقد “أدوات نقدية” للاشتباك مع واقعه، وهو ما يمثل ذروة النجاح للميتا-سياسة الخوارزمية التي تقتل الروح النقدية تحت ستار “الترميم والتعافي”.

مآلات التدين في قبضة “تجار الانتباه”
تتجاوز المقارنة السوسيولوجية والتقنية بين “سيولة” مصطفى حسني و”منظومية” عمرو خالد، كونها مجرد رصد لنجاح إعلامي فردي، بل تكشف عن تحول جذري وبنيوي في طبيعة السلطة الدينية في المجال العربي المعاصر. لقد أثبت سياق “اقتصاد الانتباه”، المدعوم بخوارزميات المنصات، أن المركزية في العصر الرقمي لم تعد مستمدة من رصانة الخطاب أو تاريخية المؤسسة، بل من مدى قدرة الفاعل الديني على “الذوبان” في الوسيط وتلبية الاحتياجات النفسية لجيل محاصر بـ “الفردية الجبرية”، حيث “خصخصة البقاء” هي الاستراتيجية الوحيدة في بيئة لم تعد توفر ضمانات جماعية للعيش الكريم.

إن نجاح حسني يؤكد توجهًا متصاعدًا لتحول “الديني كخدمة- Religion as a Service”، حيث يتم استبدال “اليقين العقدي الصلب” بـ “الراحة الشعورية السيالة”، وتتحول الموعظة إلى “تقنية لترميم الذات” المنهكة.

وهذا التحول البنيوي يضعنا أمام واقع ديني لا يهدف إلى بناء “فرد” و”مجتمع مؤمن” بقدر ما يهدف إلى خلق “مستهلك روحي” متوافق وظيفيًا مع المنظومة النيوليبرالية الشاملة. ويتحقق ذلك من خلال “خصخصة المعاناة” وتحويل الأزمات الناتجة عن انسدادات سياسية واقتصادية إلى مجرد “ندوب نفسية فردية”. وبذلك يصبح التدين الخوارزمي نوعًا من “العنف الرمزي” الذي يساهم في تغييب الوعي بالواقع وتجميل العجز تحت ستار “الرضا والتسليم”.

أما تراجع عمرو خالد في نسخته الجديدة هو في جوهره فشل لنموذج “الداعية الذي يحمل خطابًا كليًا” أمام نموذج “الداعية الإنفلونسر” الذي أصبح جزءًا عضويًا من ماكينة “حصد الانتباه” الرقمية، حيث تغلبت “الخاطرة العلاجية” على “القاعدة الفكرية” في سوق لا يعترف إلا بالسرعة والخفة.

ومع اكتمال هذا التحليل، تنفتح أمامنا تساؤلات إشكالية كبرى ومقلقة، تمثل مجالات خصبة لمقالات وتحليلات قادمة:
أولًا: مآلات “الحقيقة” في عصر التريند: كيف يؤثر تحول الديني إلى “سلعة انتباه” على مفهوم “الحقيقة الدينية” المطلقة؟ وهل يمكن لنسق عقدي صلب أن يصمد أمام خوارزميات تقدس “الاستهلاك السريع” بدلًا من “التحقيق المعرفي”؟ إننا هنا بصدد تساؤل حول ما إذا كان “الديني” يفقد قدرته على النقد المعرفي ليصبح مجرد “صدى” لرغبات المستخدم المشفرة خوارزميًا.

ثانيًا: سوسيولوجيا “الجماعة الرقمية” المتفتتة: في ظل هيمنة “الفردية الجبرية” واستهلاك الديني عبر شاشات الهاتف المنعزلة، هل تلاشت “الأمة” أو “الجماعة” ككتلة اجتماعية فاعلة لصالح “جماهير رقمية” مشتتة لا يربطها سوى التفاعل العاطفي العابر؟ هذا التساؤل يبحث في مصير “الفعل الجماعي” في زمن أصبحت فيه أجزاء من الممارسة الدينية فعلًا فرديًا بامتياز.

ثالثًا: “الأخلاق السائلة” ومصير التكليف: إذا كان التدين الخوارزمي يركز على “التعافي” بدلًا من “التكليف”، فما هو مصير “الالتزام الأخلاقي الاجتماعي”؟ وكيف يتشكل ضمير جيل يرى في الدين “مسكنًا للآلام-Painkiller” أكثر من كونه محركًا للعدالة الاجتماعية أو دافعًا لإصلاح البنى والهياكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المشوهة؟

رابعًا: مستقبل المؤسسة التقليدية أمام “الهاشتاج”: كيف تعيد المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية إنتاج سلطتها في ظل ابتلاع المنصة الرقمية للخطابات الدينية “Platformization”؟ وهل تضطر للتحول إلى “إنفلونسر” للبقاء في دائرة التأثير، ما قد يؤدي إلى فقدانها لهيبتها التاريخية وتآكل “وقار المنبر” لصالح “جاذبية الشاشة”؟

نحن نعيش لحظة تاريخية يتم فيها “إعادة هندسة الروح” لتلائم إيقاع الخوارزميات، وما نماذج مصطفى حسني وعمرو خالد إلا تجليات لبداية اتجاه من اتجاهات دينية متعددة نحو “التدين الاستهلاكي”؛ حيث تذوب القضايا الكبرى في سيولة “الترميم الشخصي”، ويتحول المؤمن من فاعل في التاريخ إلى مستهلك لسكينة رقمية مؤقتة في عالم لا يرحم.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى