العالم العربيملفات وتقارير

وهم الأسوار وانقسام المدن العربية بين رفاهية الكمباوندات وعزلة الأحياء التقليدية

تشهد الخريطة العمرانية في العواصم العربية تحولات جذرية منذ تسعينيات القرن الماضي مع تصاعد ظاهرة المجمعات السكنية المغلقة التي باتت تفرض واقعا جديدا يكرس مفهوم اللامساواة المكانية داخل المجتمع الواحد، حيث تحولت هذه التجمعات في القاهرة وضواحي الخليج وعمان والدار البيضاء إلى رمز للمكانة الاجتماعية والطبقية، ورغم الوعود البراقة التي يسوقها المطورون العقاريون حول التفرد والأمان والرفاهية إلا أن الواقع يثبت أنها مجرد ادعاءات تساهم في تفكيك النسيج المجتمعي، وتبرز اللامساواة المكانية بشكل جلي عندما تصبح الأسوار فاصلا فيزيائيا ومعنويا بين سكان المدن الجديدة وبين قاطني المناطق التاريخية والتقليدية الذين يتحملون وحدها تبعات الزحام وتراجع الخدمات، وتبني هذه المجتمعات هويتها على إقصاء الآخرين وتكريس الفجوات الاقتصادية التي تجعل من الحق في السكن الملائم امتيازا لمن يملك القدرة الشرائية العالية فقط لا حقا لجميع المواطنين.

زيف التمايز الاجتماعي في المدن الجديدة

تعتمد استراتيجية التسويق العقاري في القاهرة الكبرى على بيع وهم الحصرية عبر الخروج إلى مناطق صحراوية وبناء مدن مثل الشيخ زايد والسادس من أكتوبر والقاهرة الجديدة، وتستخدم الشركات أسماء أجنبية لمشروعاتها مثل “Lake View” و”Palm Hills” و”Dream Land” و”Golf City” لتعزيز الشعور بالانفصال عن مشكلات المدينة القديمة، ويرى الباحث ديفيد سيمز في مؤلفه “أحلام مصر الصحراوية” أن هذه السياسات خلقت جزرا معزولة تساهم في تعميق ظاهرة اللامساواة المكانية، حيث تتوفر المدارس الدولية والحدائق الغناء داخل الأسوار بينما تعاني الأحياء الشعبية وغير الرسمية من التهميش، وهذا النمط العمراني يحول المدينة إلى كانتونات منفصلة لا يجمع بين سكانها أي فضاء عام مشترك، مما يؤدي إلى تآكل مفهوم المواطنة الشاملة لصالح انتماءات طبقية ضيقة تحتمي خلف البوابات الإلكترونية وأنظمة المراقبة الحديثة.

سلعنة الأمن وغياب العدالة الاجتماعية

يعتبر الوعد بتوفير الحماية هو الركيزة الثانية التي تقوم عليها دعاية المجمعات المغلقة بدعوى مواجهة الفوضى والجريمة في الفضاء العام، وتستغل هذه المشروعات تراجع دور المؤسسات الرسمية في ضبط الشارع لتسويق الأمن كسلعة مدفوعة الأجر عبر الحراسات الخاصة وكاميرات المراقبة، وتكشف الدراسات أن هذا النوع من الأمن يظل إحساسا زائفا لا يعالج الجذور الاجتماعية لعدم الاستقرار بل يفاقم التوترات نتيجة اللامساواة المكانية الواضحة، وفي مدن مثل عمان والخليج يظهر بوضوح كيف تخلت الدولة عن التخطيط الحضري المتكامل لصالح القطاع الخاص الذي يبني مجتمعات مصغرة تعيش في عزلة كاملة عن محيطها، وهذا الفصل العنصري العمراني يجعل الأمن امتيازا طبقيا وليس حقا عاما، مما يضعف الثقة بين مكونات المجتمع ويحول الأسوار إلى جدران عازلة تمنع التفاعل الإنساني الطبيعي بين فئات الشعب المختلفة.

فقاعة الرفاهية وخصخصة الفضاءات العامة

تروج الإعلانات بكثافة لمستويات خيالية من جودة الحياة داخل الأسوار تشمل مساحات خضراء شاسعة وحمامات سباحة ونوادي رياضية فاخرة، وتصطدم هذه الصورة المثالية بواقع اللامساواة المكانية حيث يعيش داخل هذه المجمعات فئات تخدم السكان ولا تتمتع بأي من هذه الميزات مثل العمالة الخدمية التي تنتقل يوميا بين عالمين متناقضين، ويؤدي تحويل الحدائق والمتنزهات إلى ملكيات خاصة مغلقة إلى حرمان بقية سكان المدينة من حقهم في المساحات المفتوحة، مما يقلص المجال العام المشترك ويقضي على فكرة المدينة للجميع، وتظل هذه الرفاهية مهددة بالانهيار لأنها مرتبطة ببنية تحتية متهالكة خارج الأسوار لا يمكن الانفصال عنها تماما، فالاستثمار الموجه فقط لهذه الجزر العمرانية يترك المدن القديمة في حالة تدهور مستمر مما ينذر بانفجار هذه الفقاعة العقارية في أي وقت نتيجة غياب العدالة التوزيعية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى