
لم يكن مفهوم الجمهورية في سوريا مفهومًا ثابتًا عبر تاريخ الدولة الحديثة، بل كان مرآة للتحولات السياسية والاجتماعية والصراعات التي عصفت بالبلاد. فمنذ اللحظة الأولى لتشكّل الكيان السوري المعاصر، ارتبطت الجمهورية بفكرة السيادة الشعبية،
لكنها في التطبيق العملي اتخذت أشكالًا متعددة، تراوحت بين التجربة البرلمانية التعددية، والنظام الأيديولوجي المركزي، وصولًا إلى المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام السابق عام 2024. وبين النص الدستوري والممارسة السياسية، ظل السؤال الجوهري حاضرًا: هل كانت الجمهورية في سوريا تجسيدًا فعليًا لإرادة الشعب، أم إطارًا قانونيًا يُعاد تشكيله وفق موازين القوة؟
الجمهورية الوليدة: بين الحلم الوطني والانتداب (1918–1946)
مع نهاية الحكم العثماني، شهدت دمشق أول محاولة حديثة لبناء كيان سياسي مستقل بقيادة فيصل الأول عام 1920. ورغم أن الشكل المُعلن كان ملكيًا، فإن البنية السياسية كانت تميل إلى الطابع الدستوري التمثيلي، حيث تشكّل مؤتمر سوري عام، وجرى العمل على إعداد دستور يؤسس لشرعية شعبية.
مثّلت تلك اللحظة بداية تبلور فكرة الجمهورية بوصفها تعبيرًا عن السيادة الوطنية، غير أن التدخل الفرنسي أنهى هذه التجربة سريعًا، وأُخضعت البلاد لنظام الانتداب. خلال هذه المرحلة، صدر دستور 1930 وأُعلنت الجمهورية السورية رسميًا، لكن السيادة بقيت منقوصة بفعل سلطة المفوض السامي.
تميزت هذه الحقبة بتأسيس نواة الحياة الدستورية الحديثة وتشكّل الهوية الوطنية السورية، إلا أنها أخفقت في تحقيق الاستقلال الكامل والاستقرار المؤسسي بسبب القيود الخارجية وضعف الإمكانات الذاتية.
الجمهورية البرلمانية بعد الاستقلال (1946–1958)
مع جلاء القوات الفرنسية عام 1946، دخلت سوريا مرحلة جمهورية برلمانية فعلية، تجسدت بصورة أوضح في دستور 1950 الذي أكد الحريات العامة والفصل بين السلطات واستقلال القضاء.
عرفت البلاد آنذاك تعددية حزبية نشطة وصحافة مؤثرة ونقاشًا سياسيًا حيويًا داخل البرلمان، ما جعل تلك المرحلة الأقرب إلى النموذج الديمقراطي في التاريخ السوري الحديث. غير أن هذه التجربة عانت من عدم الاستقرار الحكومي وتنافس النخب السياسية بصورة حادة، إضافة إلى تدخل الجيش في الحياة السياسية بدءًا من انقلاب 1949. ورغم الطابع المدني الواضح للجمهورية آنذاك، فإن ضعف التحصين المؤسسي وعدم ترسيخ تقاليد ديمقراطية راسخة جعلا النظام عرضة للانقلابات، وهو ما أفضى إلى تقويض التجربة البرلمانية تدريجيًا.
الجمهورية القومية والوحدة (1958–1961)
عندما دخلت سوريا في وحدة اندماجية مع مصر عام 1958، أعيد تعريف الجمهورية بوصفها مشروعًا قوميًّا عربيًّا يتجاوز الحدود الوطنية. حظيت الوحدة في بدايتها بتأييد شعبي واسع، باعتبارها مخرجًا من اضطراب الانقلابات العسكرية، غير أن مركزية القرار في القاهرة، وإلغاء الحياة الحزبية السورية، وتهميش النخب المحلية، أدت إلى تآكل التأييد الداخلي.
تحوّلت الجمهورية هنا من إطار وطني تعددي إلى كيان وحدوي مركزي، ما كشف عن صعوبة بناء شرعية سياسية مستقرة دون مشاركة متوازنة وتمثيل فعلي. انتهت التجربة بالانفصال عام 1961، لتؤكد أن الشرعية القومية وحدها لا تكفي إذا غابت المؤسسات التشاركية.
الجمهورية الأيديولوجية المركزية (1963–2000)
شكّل استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963 نقطة تحول كبرى في مسار الجمهورية السورية، حيث أُعلنت حالة الطوارئ وتراجعت التعددية السياسية. ومع وصول حافظ الأسد إلى الحكم عام 1970، ترسخ نموذج جمهورية رئاسية مركزية قوية، كرّسه دستور 1973 الذي نص على قيادة الحزب للدولة والمجتمع.
تميزت هذه المرحلة باستقرار سياسي طويل نسبيًا مقارنة بمرحلة الانقلابات كان قائم على سياسة كم الأفواه وخلق الأزمات الداخلية والخارجية. إذا هذا الاستقرار جاء على حساب الحياة السياسية، إذ أُغلقت الساحة أمام التعددية الفعلية، وتعزز حضور الأجهزة الأمنية، وتكرّس تركيز السلطة في يد الرئاسة. وهكذا تحولت الجمهورية إلى بنية مؤسساتية منضبطة إداريًا لكنها محدودة المشاركة سياسيًا، ما أضعف حيويتها الديمقراطية.
الجمهورية الرئاسية الدموية في عهد المجرم بشار الأسد (2000–2024)
مع انتقال السلطة إلى بشار الأسد عام 2000، بدا وكأن الجمهورية تتجه نحو تحديث تدريجي، خاصة في السنوات الأولى التي شهدت نقاشات سياسية محدودة عُرفت بربيع دمشق. غير أن هذه الانفتاحات لم تتطور إلى إصلاح سياسي عميق. ورغم تعديل دستور 2012 وإلغاء النص الصريح على قيادة حزب البعث، بقيت صلاحيات الرئاسة واسعة، واستمر الطابع المركزي للنظام. أدت الاحتجاجات التي اندلعت عام 2011 إلى نزاع طويل أضعف مؤسسات الدولة وعمّق الانقسام المجتمعي. أخفقت الجمهورية في هذه المرحلة في تجديد عقدها الاجتماعي أو استيعاب مطالب التغيير، ما أدى في نهاية المطاف الى سقوط مئات الاف الضحايا نتيجة حرب وجهة ضد الشعب الثائر لكن في نهاية المطاف النتيجة كانت سقوط النظام في ديسمبر 2024، وإغلاق فصل طويل من الجمهورية المركزية.
الجمهورية الانتقالية والإعلان الدستوري المؤقت 2025
بعد سقوط النظام، دخلت البلاد مرحلة انتقالية أُعلن خلالها إطار دستوري مؤقت عام 2025 لتنظيم السلطات إلى حين صياغة دستور دائم. أعاد هذا الإعلان التأكيد على مبدأ التعددية السياسية، واستقلال القضاء، والتحضير لانتخابات عامة، مع تعليق العمل بالبنية الدستورية السابقة.
تميزت هذه المرحلة بإعادة طرح سؤال الشرعية على أساس شعبي انتقالي، والسعي لإعادة بناء المؤسسات على أسس جديدة. غير أن الجمهورية الانتقالية تواجه تحديات عميقة، أبرزها هشاشة البنية الإدارية بعد سنوات النزاع، والحاجة إلى إعادة هيكلة القطاع الأمني، والتعامل مع أعباء اقتصادية ضخمة. وبذلك أصبحت هذه المرحلة اختبارًا حاسمًا لقدرة السوريين على تحويل لحظة التغيير إلى تأسيس مؤسسي مستدام.
العدالة الانتقالية وإعادة بناء الدولة
لم يعد مفهوم الجمهورية مرتبطًا بشكل النظام فقط، بل بقدرتها على معالجة إرث الماضي. فنجاح المرحلة الجديدة يتوقف على تحقيق العدالة الانتقالية، بما يشمل المساءلة القانونية، وجبر الضرر، وكشف الحقيقة، وإصلاح المؤسسات الأمنية. إن غياب هذه العناصر قد يعيد إنتاج دوائر العنف، بينما يسهم حضورها في ترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع، ويمنح الجمهورية الجديدة شرعية أخلاقية وقانونية في آن واحد.
الجمهورية الجديدة: ما بعد الانتقال السياسي
الجمهورية التي يتطلع إليها السوريون اليوم هي جمهورية مدنية ديمقراطية تعددية، تستمد شرعيتها من الإرادة الحرة للمواطنين، وتقوم على مبدأ الفصل الحقيقي بين السلطات، واستقلال القضاء، وتداول السلطة عبر انتخابات نزيهة.
إنها جمهورية تعترف بالتنوع القومي والديني والثقافي، وتؤسس لمواطنة متساوية لا تمييز فيها، وتخضع فيها جميع المؤسسات، بما فيها المؤسسة العسكرية، لرقابة السلطة المدنية المنتخبة. في هذه الصيغة، لا تكون الجمهورية مجرد نص دستوري، بل ممارسة يومية تُجسد احترام الحقوق والحريات، وتضمن أن تكون الدولة في خدمة المجتمع لا فوقه.
اختتم هنا بإن تاريخ الجمهورية في سوريا هو تاريخ صراع دائم بين النص والممارسة، وبين الطموح الديمقراطي وواقع السلطة. تعاقبت جمهوريات متعددة، لكل منها سماتها وإنجازاتها وإخفاقاتها، لكن التحدي اليوم يتجاوز استبدال مرحلة بأخرى؛ إنه يتعلق بإرساء ثقافة سياسية جديدة تجعل من الجمهورية عقدًا اجتماعيًا حيًا، لا إطارًا شكليًا. فإذا نجحت سوريا في تثبيت مؤسسات مستقلة، وترسيخ سيادة القانون، وضمان المشاركة الواسعة في الحكم، فإن الجمهورية الجديدة ستكون تتويجًا لمسار طويل من البحث عن دولة عادلة







