
انقسام اليمين المسيحي الأميركي بين المقاربة القومية والمقاربة النبوئية
لم يعد الجدل حول موقع إسرائيل في السياسة الخارجية الأميركية نقاشًا هامشيًا داخل التيار المحافظ، بل تحوّل – بعد السجال العلني في فبراير/شباط 2026 بين الإعلامي Tucker Carlson والسياسي الإنجيلي Mike Huckabee – إلى عنوان لانقسام أعمق داخل اليمين الأميركي نفسه.
المسألة لا تتعلق بصراع بين “متدينين” و“علمانيين”، بل بتباين في تعريف وظيفة الدين داخل الدولة:
هل يكون الدين إطارًا قيميًا يوجّه الأخلاق العامة؟
أم يتحول إلى مرجعية مباشرة ترسم خرائط الجغرافيا وتحدد أولويات الحرب والسلم؟
أولًا: أي يمين نتحدث عنه؟
1) “أميركا أولًا”: القومية قبل النبوءة
تيار “أميركا أولًا” ليس مذهبًا كنسيًا ولا حركة لاهوتية منظمة، بل هو مزاج سياسي–ثقافي نشأ من رحم الشعبوية المحافظة.
مرتكزاته الأساسية:
• أولوية الداخل الأميركي اقتصاديًا وأمنيًا.
• رفض الحروب المفتوحة والالتزامات غير محددة الأفق.
• التشكيك في شبكات صنع القرار التقليدية (المؤسسة الأمنية، لوبيات الضغط، المجمع الصناعي العسكري).
في ملف إسرائيل، لا ينطلق هذا التيار من سفر التكوين، بل من دفتر الحسابات:
ما الكلفة؟ وما العائد؟
كارلسون هنا ليس قائدًا دينيًا، بل فاعلًا إعلاميًا أعاد صياغة النقاش. برنامجه – Tucker Carlson Show – أصبح مساحة لمساءلة ما كان يُعدّ “ثابتًا محافظًا”، وعلى رأسه الدعم غير المشروط لإسرائيل.
2) المسيحية الصهيونية: اللاهوت كإطار للسياسة
في المقابل، تقف المسيحية الصهيونية كتيار متجذر داخل قطاعات واسعة من الإنجيليين.
مرتكزاتها:
• لإسرائيل دور نبوئي في السردية المسيحية عن التاريخ والخلاص.
• دعمها ليس خيارًا استراتيجيًا فحسب، بل التزامًا دينيًا.
• النص التوراتي يمكن أن يكون مرجعية مباشرة للقرار السياسي.
استناد هوكابي إلى سفر التكوين (15:18) في سجاله مع كارلسون لم يكن مجرد اقتباس ديني؛ بل تعبيرًا عن رؤية ترى أن الوعد الإبراهيمي يمتد إلى المجال السياسي المعاصر.
هذا التيار تحوّل عبر عقود إلى شبكة مؤسسية مؤثرة، أبرز رموزها:
• John Hagee
• منظمة Christians United for Israel (CUFI)، التي تعد من أكبر جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة.
• International Christian Embassy Jerusalem (ICEJ)، التي تعمل منذ عام 1980 على تعبئة الدعم الإنجيلي لإسرائيل عالميًا.
جوهر الخلاف: ثلاث مستويات
1) مستوى الأولويات: الدولة أم الوعد؟
• “أميركا أولًا”: السياسة الخارجية امتداد للمصلحة القومية.
• المسيحية الصهيونية: إسرائيل ليست مجرد ملف خارجي، بل جزء من هوية التحالف المحافظ ذاته.
2) مستوى التبرير: البراغماتية أم النص؟
• كارلسون يمثل خطابًا قوميًا براغماتيًا.
• هوكابي ومن خلفه يمثلون خطابًا عهديًا يستند إلى النص.
السؤال الذي فجّر السجال:
هل يجوز أن يتحول “الحق الكتابي” إلى قاعدة لتحديد حدود دولة حديثة؟
3) مستوى الجمهور: التحول الجيلي
هناك انقسام متنامٍ داخل المحافظين والإنجيليين:
• جيل تقليدي يرى إسرائيل حليفًا لاهوتيًا–استراتيجيًا ثابتًا.
• جيل شعبوي متأثر بالإعلام الجديد يعيد طرح الأسئلة حول كلفة التحالفات الخارجية.
المؤسسة الدينية لم تعد الصوت الوحيد؛ المنصات الإعلامية باتت لاعبًا موازيًا وربما منافسًا.
هل نحن أمام صراع وجودي؟
الأدق القول إننا أمام تنافس داخل البيت المحافظ لا انشقاقًا نهائيًا.
يلتقي الطرفان في قضايا داخلية عديدة:
الإجهاض، الهجرة، قضايا الهوية الثقافية.
لكن عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية – وخاصة إسرائيل – يظهر الشرخ بوضوح.
المسيحية الصهيونية كانت لعقود ركيزة ثابتة في التحالف الجمهوري–الإنجيلي.
أما صعود خطاب “أميركا أولًا” فجعل السؤال الذي كان يُهمس به يُطرح علنًا:
هل يخدم الدعم غير المشروط لإسرائيل المصلحة الأميركية في كل الأحوال؟
البعد الأعمق: إعادة تعريف المحافظة الأميركية
الخلاف يتجاوز إسرائيل ليصل إلى سؤال الهوية السياسية:
• هل المحافظة اليوم قومية سيادية تعيد ترتيب أولوياتها وفق الداخل؟
• أم لاهوتية ترى في الشرق الأوسط مسرحًا لتحقيق سردية نبوئية؟
الانقسام ليس عقديًا بقدر ما هو وظيفي:
ما وظيفة الدين في الدولة؟
هل يحدد القيم العامة فقط؟
أم يرسم خرائط السياسة الخارجية؟
من المؤسسة إلى المنصة
• منصة كارلسون تمثل نموذج “القوة الشبكية”: سرعة، انتشار، مساءلة علنية.
• منظمات مثل CUFI وICEJ تمثل “القوة المؤسسية”: تنظيم، ضغط سياسي، حضور في دوائر القرار.
الصدام بين الطرفين يعكس تحوّلًا أعمق داخل اليمين الأميركي:
انتقال التأثير من المنبر الكنسي إلى المنصة الرقمية،
ومن اللاهوت المنظم إلى الشعبوية الإعلامية.
الخلاصة
الانقسام بين “أميركا أولًا” و“الصهيونية المسيحية” ليس مجرد جدل عابر حول إسرائيل، بل هو إعادة رسم لمفهوم المحافظة الأميركية ذاتها.
إنه صراع بين من يرى السياسة الخارجية انعكاسًا للمصلحة القومية،
ومن يراها امتدادًا لوعد نبوئي يتجاوز الحسابات البراغماتية.
ومع تصاعد الشعبوية القومية داخل اليمين، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل سيظل التحالف الإنجيلي–الإسرائيلي حجر الزاوية في السياسة الجمهورية؟
أم أن مرحلة “أميركا أولًا” ستفرض إعادة تعريف لأولويات البيت المحافظ من الداخل؟







