مقالات وآراء

بكير أتاجان يكتب: لماذا لا تضرب واشنطن إيران؟

الخوف من الهزيمة ليس هو الجواب… بل الخوف من الكلفة

الحديث عن ضربة أمريكية لإيران لا يتوقف.
حاملات طائرات في الخليج، قاذفات إستراتيجية في القواعد الأمامية، وتصريحات نارية متبادلة. ظاهريًا، ميزان القوة محسوم سلفًا: الولايات المتحدة هي القوة العسكرية الأولى في العالم، وإيران دولة مثقلة بالعقوبات.

لكن السؤال الحقيقي ليس: من الأقوى؟
السؤال هو: من يستطيع تحمّل تبعات الحرب؟

التفوق لا يعني الحسم

واشنطن قادرة على توجيه ضربة ساحقة. قاذفات مثل B-2 Spirit قادرة على اختراق الدفاعات، وقنابل خارقة للتحصينات مثل GBU-57 Massive Ordnance Penetrator صُممت لتدمير المنشآت العميقة.

لكن المشكلة ليست في “الليلة الأولى”.
المشكلة في “الأسبوع الثالث”.

إيران ليست هدفًا مكشوفًا على صحراء مفتوحة. إنها جغرافيا قاسية، جبال ممتدة، منشآت مدفونة، وبنية عسكرية موزعة لا مركزية. تدمير جزء منها لا يعني إنهاء قدرتها على الرد.

معادلة الإيلام المتبادل

طهران لا تحتاج إلى الانتصار.
يكفيها أن تؤلم.

مئات الصواريخ، آلاف المسيّرات، زوارق سريعة، وألغام بحرية.
ليست أدوات لحسم الحرب، لكنها أدوات لفوضى كافية لإرباك أكبر قوة عسكرية في العالم.

إصابة قاعدة أمريكية في الخليج، أو سفينة حربية في Strait of Hormuz، أو حتى تعطيل مؤقت لحاملة طائرات… كل ذلك لا يغيّر ميزان القوى، لكنه يغيّر المزاج العام الأمريكي.
والحروب في النهاية تُحسم سياسيًا بقدر ما تُحسم عسكريًا.

الاقتصاد… الساحة الأخطر

الخطر الحقيقي ليس عسكريًا فقط.
إغلاق مضيق هرمز – ولو جزئيًا – قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات صادمة.

أزمة طاقة عالمية تعني ركودًا اقتصاديًا، تعني ضغطًا شعبيًا في أوروبا وشرق آسيا، وتعني صداعًا سياسيًا في واشنطن.
الضربة العسكرية قد تكون دقيقة، لكن الارتدادات الاقتصادية ستكون عشوائية وعالمية.

كابوس “الضربة المتزامنة”

تعتمد الولايات المتحدة على التفوق التكنولوجي والضربة الاستباقية.
لكن إذا كانت إيران قادرة على إطلاق صواريخها فور انطلاق الطائرات الأمريكية، فإن عنصر المفاجأة يتآكل.

هنا يصبح السؤال:
هل تستطيع واشنطن منع الرد الإيراني بالكامل؟
الجواب الواقعي: لا.

يمكنها تقليصه، اعتراض معظمه، احتواءه… لكنها لا تستطيع محوه.

النووي… ظلٌ ثقيل

لا يوجد إعلان رسمي بامتلاك طهران سلاحًا نوويًا، لكن اقترابها من “العتبة” يكفي لتعقيد الحسابات.
أي ضربة لا تنجح في إنهاء البرنامج بالكامل قد تدفعها إلى تسريع خطواتها بدل إيقافها.

وهنا تتحول العملية العسكرية من “منع” إلى “تحفيز”.

لماذا القلق إذن؟

لأن واشنطن تدرك حقيقة بسيطة:
يمكنها أن تنتصر عسكريًا… لكنها قد تخسر اقتصاديًا وسياسيًا.

إيران لا تراهن على إسقاط أمريكا.
بل تراهن على رفع كلفة الحرب إلى حد يجعل الانتصار نفسه عبئًا.

لهذا لا يبدو التردد الأمريكي ضعفًا.
بل هو إدراك بأن الحرب مع إيران لن تكون نسخة جديدة من العراق أو أفغانستان، بل مواجهة مفتوحة السقف، متعددة الجبهات، طويلة النفس.

وفي مثل هذه الحروب، السؤال لا يكون: من الأقوى؟
بل: من يصمد أكثر؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى