مقالات وآراء

بكير أتاجان يكتب : من طهران إلى أنقرة . هل يمكن أن يتكرر نموذج 1960 التركي في إيران؟

حين وقع انقلاب 27 مايو 1960 في تركيا بقيادة ضباط من الجيش أطاحوا بحكومة عدنان مندريس، لم تكن الدولة التركية مهددة بالانهيار، بل كان الصراع يدور حول هوية النظام واتجاهه.
الجيش لم يطرح نفسه بديلاً دائمًا، بل «حارسًا» لمبادئ الجمهورية كما فهمها.

فهل يمكن أن يتكرر هذا النموذج في إيران؟

أولاً: ما الذي حدث في تركيا عام 1960؟

انقلاب 1960 لم يكن ثورة اجتماعية شاملة، بل تدخلًا عسكريًا أعاد ضبط التوازن بين:
   •   المؤسسة العسكرية
   •   النخبة السياسية
   •   البنية الدستورية

نتج عنه:


   •   إعدام مندريس
   •   صياغة دستور 1961
   •   تعزيز دور الجيش كمراقب فوقي للحياة السياسية

لكن الدولة لم تتفكك، والاقتصاد لم ينهَر، والحدود لم تُمسّ.
الجيش أعاد تشكيل النظام دون إسقاط الدولة.

ثانيًا: المقارنة البنيوية مع إيران

1) المؤسسة العسكرية

في تركيا الستينيات:
   •   الجيش كان مؤسسة قومية موحّدة
   •   يرى نفسه وريثًا لمشروع مصطفى كمال أتاتورك

في إيران اليوم:
   •   الحرس الثوري الإيراني ليس مجرد جيش، بل شبكة اقتصادية وأمنية وأيديولوجية
   •   هناك أيضًا الجيش النظامي (الأرتش) الأقل نفوذًا سياسيًا

إذا حدث انهيار سياسي مفاجئ، فالجهة الأكثر قدرة على ملء الفراغ هي الحرس الثوري، لا المعارضة المدنية.

لكن الفرق الجوهري:
الجيش التركي كان فوق الأيديولوجيا الحزبية، بينما الحرس الثوري جزء عضوي من النظام القائم.

2) الهوية الأيديولوجية

انقلاب 1960 كان دفاعًا عن علمانية الدولة.
أما في إيران، فأي تدخل عسكري سيطرح سؤالًا معكوسًا:

هل سيحافظ العسكريون على الصبغة الدينية؟
أم يحولونها إلى قومية إيرانية براغماتية؟

هنا يكمن التحول المحتمل:
من «جمهورية إسلامية» إلى «جمهورية قومية أمنية».

3) البيئة الإقليمية

تركيا 1960 كانت:
   •   عضوًا في الناتو
   •   مستقرة جغرافيًا
   •   غير متورطة في شبكة حروب بالوكالة

أما إيران:
   •   لاعب مركزي في العراق ولبنان واليمن
   •   تحت عقوبات اقتصادية
   •   في صراع مفتوح مع الغرب وإسرائيل

أي تحول داخلي في إيران سيحمل ارتدادات إقليمية أكبر بكثير من الحالة التركية.

ثالثًا: هل يمكن تكرار النموذج؟

لكي يتكرر نموذج 1960 التركي في إيران، يجب توفر ثلاثة شروط:
1. وحدة المؤسسة العسكرية
2. قبول داخلي واسع بدور “المنقذ المؤقت”
3. ضمان دولي بعدم تفكيك الدولة أو تقسيمها

الشرط الأول متوفر جزئيًا.
الثاني مشكوك فيه.
الثالث مرتبط بحسابات واشنطن وموسكو وبكين.

السيناريو الأقرب

إذا انهار النظام فجأة، قد نشهد:
   •   إعلان «حكومة إنقاذ وطني» يقودها الحرس الثوري
   •   تعليق جزئي للدستور
   •   إعادة صياغة العقد السياسي خلال 3–5 سنوات
   •   تخفيف الخطاب الأيديولوجي لصالح الاستقرار الاقتصادي

هذا سيكون أقرب إلى نموذج 1960 التركي، لكن بنكهة إيرانية خاصة.

الفارق الحاسم

تركيا عام 1960 كانت دولة متماسكة سياسيًا واجتماعيًا.
إيران اليوم أكثر تعقيدًا إثنيًا وأيديولوجيًا واقتصاديًا.

لهذا فإن الخطر في الحالة الإيرانية ليس فقط «من سيحكم»،
بل هل يستطيع الحاكم الجديد منع لحظة التفكك؟

الخلاصة الاستشرافية

نموذج 1960 يثبت أن الجيوش قد تعيد هندسة النظام دون إسقاط الدولة.
لكن نجاح هذا النموذج في إيران يتوقف على قدرة المؤسسة العسكرية على:
   •   التحول من أداة أيديولوجية إلى مؤسسة دولة
   •   طمأنة القوميات
   •   استعادة الثقة الاقتصادية

إذا نجحت، سنشهد تحولًا تدريجيًا لا انهيارًا.
وإذا فشلت، قد يتحول التدخل العسكري من عملية ضبط إلى شرارة تفكك.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى