مقالات وآراء

بكير أتاجان يكتب: “الجمهورية الضائعة”.. بلوشستان بين الجغرافيا الممزقة والجغرافيا المؤجلة

هل يمكن لأرضٍ أن تبقى موحّدة في الوعي الجمعي، لكنها مقسّمة في الخرائط السياسية؟


بلوشستان تمثل هذا التناقض الحاد: شعب واحد بهوية متماسكة، جغرافيا مترابطة، تاريخ ممتد… لكنها موزعة بين ثلاث دول هي باكستان وإيران وأفغانستان.

ليست المسألة مجرد تقسيم حدودي؛ بل هي قصة صدام طويل بين الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا السياسية.

أولاً: الجغرافيا التي تتحكم بالسياسة

تمتد بلوشستان على مساحة تقارب 647 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل تقريباً مساحة فرنسا.
تقع في نقطة تماس حساسة بين الخليج العربي، شبه القارة الهندية، وآسيا الوسطى، ما يجعلها عقدة استراتيجية في معادلات الطاقة والتجارة العالمية.

تنقسم إلى ثلاث كتل رئيسية:
   •   بلوشستان الشرقية (باكستان)
أكبر أقاليم الدولة مساحة، وعاصمتها كويتا، وتضم الساحل الحيوي على بحر العرب.
   •   بلوشستان الغربية (إيران)
تُعرف بمحافظة سيستان وبلوشستان، وعاصمتها زاهدان، وتمثل الامتداد الغربي للهوية البلوشية داخل إيران.
   •   بلوشستان الشمالية (أفغانستان)
موزعة في ولايات جنوبية مثل نيمروز وهلمند وقندهار.

هذه الجغرافيا ليست هامشاً صحراوياً كما قد يُظن، بل هي ممر عبور استراتيجي. تطل على بحر العرب، وتقترب من مضيق هرمز، وتقع في قلب مسارات الطاقة العالمية.
حين يكون الموقع بهذه الحساسية، يتحول إلى قدر تاريخي يصعب الفكاك منه.

ثانياً: البلوش… هوية صلبة في فضاء متشظٍ

البلوش شعب هندو–إيراني قديم، لغتهم البلوشية تنتمي إلى الفرع الإيراني من اللغات الهندوأوروبية.
الغالبية العظمى منهم مسلمون سنة، ما يضعهم:
   •   أقلية مذهبية داخل إيران ذات الأغلبية الشيعية.
   •   أقلية عرقية داخل باكستان وأفغانستان.

المجتمع البلوشي تقليدياً قبلي، يقوم على منظومة شرف وولاءات عشائرية وقيادات تقليدية (السردار).
هذه البنية وفّرت تماسكاً اجتماعياً وحفظت الهوية عبر قرون، لكنها في الوقت ذاته اصطدمت بنموذج الدولة المركزية الحديثة، التي تسعى لاحتكار السلطة والسلاح والموارد.

هنا يظهر جوهر الإشكال: صدام بين منطق القبيلة ومنطق الدولة، بين الشرعية التقليدية والشرعية الدستورية.

ثالثاً: من الاستقلال النسبي إلى التفتيت الحدودي

  1. قبل الاستعمار: كيانات شبه مستقلة

عرفت المنطقة كيانات محلية أبرزها خانات قلات، التي مارست سيادة نسبية في ظل توازنات مع فارس والهند وأفغانستان.
لم تكن دولة قومية حديثة، لكنها لم تكن هامشاً تابعاً بالكامل.

  1. “اللعبة الكبرى” ومقص الإمبراطورية

في القرن التاسع عشر، ومع احتدام التنافس بين الإمبراطورية البريطانية وروسيا القيصرية، أصبحت المنطقة جزءاً من “اللعبة الكبرى”.
رُسمت حدود تخدم المصالح الإمبراطورية لا الواقع الاجتماعي:
   •   خط غولدسميد بين إيران وبلوشستان.
   •   خط دوراند الذي فصل أفغانستان عن الهند البريطانية (ثم باكستان لاحقاً).

هذه الخطوط لم تقسّم الأرض فحسب، بل قسّمت العائلات والقبائل والاقتصاد التقليدي.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت الهوية البلوشية عابرة لثلاث سيادات سياسية.

  1. ما بعد 1947: الدولة المركزية مقابل الهامش

مع قيام باكستان عام 1947، دخلت بلوشستان مرحلة توتر مزمن بين مطالب الحكم الذاتي والاندماج القسري.
شهد الإقليم عدة تمردات مسلحة، تعكس أزمة ثقة عميقة بين النخب البلوشية والمركز.

في إيران، اتخذت المسألة بعداً أمنياً–مذهبياً، مع حساسية الدولة تجاه أي نزعات انفصالية في أطرافها.
أما في أفغانستان، فبقي البلوش جزءاً من فسيفساء إثنية معقدة في دولة تعاني تاريخياً من ضعف المركز.

رابعاً: ثروات استراتيجية… وتنمية غائبة

بلوشستان من أغنى مناطق آسيا بالموارد الطبيعية:
   •   احتياطات كبيرة من الغاز الطبيعي (خصوصاً في الجزء الباكستاني).
   •   مناجم ذهب ونحاس ضخمة.
   •   احتمالات نفطية واعدة.
   •   موقع بحري استثنائي.

لكن المفارقة أن الإقليم يعاني من معدلات فقر وبنية تحتية متدنية مقارنة بثرواته.
هنا يتولد الشعور بالتهميش: الثروة تُستخرج، لكن التنمية لا تُوزع بعدالة.

جوادر: بوابة الصين إلى بحر العرب

يقع ميناء جوادر في قلب بلوشستان الباكستانية، وهو أحد أهم مفاصل مبادرة الحزام والطريق الصينية.

جوادر يمنح بكين منفذاً مباشراً إلى بحر العرب، ويختصر مسارات الطاقة عبر مضيق ملقا، ويعزز مشروع الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني.

لكن هذا المشروع لا يُقرأ اقتصادياً فقط؛ بل استراتيجياً أيضاً:
   •   الهند تراقب بقلق.
   •   الولايات المتحدة تضعه ضمن حسابات التوازن البحري.
   •   إيران ترى فيه منافساً لموانئها.

وهكذا تتحول بلوشستان من هامش صحراوي إلى عقدة في التنافس الدولي.

خامساً: معادلة الأمن والسياسة

التوتر المزمن في بلوشستان يقوم على ثلاثية متداخلة:
1. الاقتصاد: إحساس بالتهميش في توزيع العوائد.
2. السياسة: مطالب بالحكم الذاتي أو إعادة تعريف العلاقة مع المركز.
3. الجيوسياسة: تنافس خارجي يجعل أي اضطراب داخلي قابلاً للاستثمار الدولي.

عندما تتقاطع هذه العوامل، تصبح المنطقة قابلة للاشتعال في أي لحظة.

سادساً: رموز من عمق الجغرافيا
   •   جبل تفتان
بركان شبه نشط في الجزء الإيراني، يحمل بعداً أسطورياً في المخيال البلوشي.
   •   مومياء بلوشستان
حادثة عام 2000 التي كُشف لاحقاً أنها عملية تزوير معقدة، كشفت هشاشة السرديات التاريخية حين تختلط بالسياسة والإعلام.
   •   النمر البلوشي
رمز بيئي لبرية المنطقة، مهدد بالانقراض، كما لو أن الطبيعة نفسها تعكس هشاشة التوازن في هذه الأرض.

لو كانت دولة موحدة…

لو توحدت بلوشستان كدولة مستقلة:
   •   لكانت جسراً بين الخليج وآسيا الوسطى.
   •   لاعباً محورياً في معادلة بحر العرب ومضيق هرمز.
   •   قوة طاقة صاعدة.
   •   نقطة توازن بين الصين والهند والغرب.

لكنها كانت ستواجه تحديات ثقيلة:
   •   بناء دولة حديثة فوق بنية قبلية.
   •   إدارة موارد ضخمة بشفافية.
   •   تجنب التحول إلى ساحة صراع بالوكالة.
   •   موازنة النفوذ الخارجي دون الوقوع في الارتهان.

الخلاصة: جغرافيا تنتظر تسوية التاريخ

بلوشستان ليست مجرد “جمهورية ضائعة”، بل جغرافيا مؤجلة بين الدولة والهوية، بين الثروة والفقر، بين المركز والهامش.

هي مساحة تختبر فيها آسيا معنى الحدود التي رسمها الاستعمار، ومعنى الدولة التي ورثت تلك الحدود.

شعب يعيش فوق أحد أهم مفاتيح الطاقة في العالم…
لكن مفاتيح الأرض لا تعني دائماً امتلاك مفاتيح القرار

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى