ملفات وتقارير

تقدير موقف لمركز دراسات حزب الغد حول الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران – باريس-

نشر مركز دراسات حزب الغد في باريس تقدير موقف حول الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، واتساع الجبهات، وتداعياتها على مصر والإقليم، في لحظة تُغادر “الظل” إلى “العلن”.


وجاء هذا التقدير في توقيت يتغيّر فيه المشهد ساعةً بساعة، حيث تتابعت خلال اليوم ضربات متبادلة بين إيران وإسرائيل، وتوسّعت دوائر التأهب الإقليمي، وظهرت مؤشرات على انتقال الصراع من نمط الرسائل المحسوبة إلى اختبار مفتوح لقواعد الاشتباك.


تغيّر “القانون غير المكتوب” الذي حكم سنوات طويلة: توازن دقيق بين الإيذاء والإنكار، وبين الردع وتجنّب كسر العتبة، ثم ظهر نموذج أكثر خشونة: استهداف العمق، انتقال الرسائل إلى مساحات مكشوفة، وتزايد احتمال أن تتحول “الردود” إلى “مسارات” تتدحرج خارج قدرة الضبط السياسي.


ويحرص مركز دراسات حزب الغد الليبرالي المصري – باريس على تثبيت حقيقةٍ منهجية: قيمة هذا التقدير لا تقوم على ادّعاء اليقين، بل على رصد ديناميكية اللحظة، وتحديد مفاتيح التصعيد والاحتواء، وربط ذلك بتداعياته المباشرة على مصر بوصفها مركز توازن بحري-اقتصادي-سياسي في الإقليم.

ما حدث حتى هذه اللحظة؟


تُظهر التطورات المعلنة خلال اليوم أن الضربات لم تعد محصورة في ساحات وسيطة، وأن الاستهداف طال عمقًا إيرانيًا ثم تلاه رد صاروخي/مسيّر باتجاه إسرائيل، مع إجراءات طوارئ وتعبئة في الداخل الإسرائيلي شملت قيودًا واسعة على الحركة وتدابير حماية للبنية الطبية وتحريك احتياطات.
🔸 تصاعد التوتر على الجبهة اللبنانية تزامن مع رسائل سياسية داخل بيروت تدعو لتجنيب البلاد “المغامرات”، ما يعكس إدراكًا رسميًا لحافة الانزلاق التي يمكن أن تُفتح من الجنوب اللبناني في أي لحظة.
تحذيرات ملاحية صدرت من جهات أوروبية لأساطيل تجارية بتجنب مناطق بعينها في الخليج وبحر العرب، مع الإشارة صراحةً إلى احتمال تمدد الأخطار نحو البحر الأحمر وخليج عدن، بما يجعل محور البحر جزءًا أصيلًا من المشهد لا هامشًا له.
تتعدد الروايات حول طبيعة الأهداف ونطاق الضرر، لكن المؤكد أن “الرسالة” خرجت من نمط التلويح إلى نمط الاختبار، وأن الإقليم دخل مرحلة توتر قد تمتد وتتقطع على شكل موجات، لا على شكل ضربة واحدة تنتهي في يومها.

التحول العسكري: ماذا تغيّر.. وما الذي بقي ثابتًا؟


تَبدّل جوهر الاشتباك من “الإنهاك” إلى “اختبار الإرادة”، فحين يُستهدف العمق بصورة متزامنة أو متتابعة، تصبح الرسالة أقرب إلى امتحان صلابة منظومة القيادة والسيطرة والاتصال والاستجابة السريعة، لا مجرد ردّ على حدث محدد.
تعدد ساحات الاشتباك يحوّل الجبهة اللبنانية إلى “ميزان حرارة” للتصعيد، لأن قرارًا محدودًا هناك قد يطلق سلسلة ردود تتجاوز النوايا الأولية، ويُدخل الحسابات الداخلية اللبنانية في معادلة الردع الإقليمي بصورة خطرة.
وزن الصواريخ والمسيّرات صار في مقدمة المشهد، إذ تظل الصواريخ أداة الردع الأسرع أثرًا، بينما تفرض المسيّرات ضغطًا متكررًا منخفض الكلفة نسبيًا، وتُربك الدفاعات حين تُستخدم بأحجام كبيرة أو مع تشويش إلكتروني أو ضربات متزامنة.
الغموض حول حجم الجاهزية الحقيقية لبعض الترسانات، وكمّ ما تعرّض للتآكل في السنوات الأخيرة، يظل عاملًا بذاته؛ فحتى “التهديد الموثوق” دون استخدام شامل يكفي لرفع كلفة القرار لدى الخصم، ويضغط على العواصم الحليفة كي تمنع الانزلاق.

قدرات إيران وإسرائيل: الردع، الدفاع، وكلفة الاستنزاف


تمتلك إيران منظومة صاروخية متنوعة المديات، وبنية إطلاق موزعة ومحمية، مع الحديث في تحليلات متداولة عن تسارع في وتيرة تطوير الصواريخ والإنتاج، وهو ما يُستخدم تبريرًا سياسيًا-أمنيًا لتوسيع هامش الضربات الاستباقية.
التفوق الإسرائيلي النوعي يظهر في طبقات الدفاع الجوي والإنذار المبكر والقدرات الاستخبارية، لكن معضلة إسرائيل في هذا النمط من الاشتباك تكمن في أن “الدفاع الناجح” ليس مجانيًا؛ موجات الاعتراض المتكررة تُحوّل الاقتصاد والحياة اليومية إلى ساحة ضغط موازية، وتُفاقم السؤال الداخلي: كم تستطيع الجبهة الداخلية احتمال تعطيل طويل؟
تصاعد الطابع “الإقليمي” للرد، عبر تهديد أو استهداف قواعد أو مصالح مرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة، يرفع احتمالات اتساع رقعة الأهداف خارج ثنائية طهران-تل أبيب، ويجعل دولًا عديدة في مرمى التداعيات حتى لو أعلنت الحياد.

لبنان: و تُغيّر قواعد اللعبة


الخطر في الجبهة اللبنانية لا يتوقف عند حجم النيران، بل عند قابلية الاشتعال المتبادل: كل ضربة تُقابل بضربة، وكل “رد محدود” يحمل قابلية التحول إلى سلسلة ممتدة إذا وقع خطأ في التقدير أو حدثت خسائر بشرية كبيرة.
الرسالة الصادرة من رئاسة الحكومة اللبنانية اليوم حول ضرورة عدم “جر البلاد” إلى مواجهات إقليمية تعكس حساسية اللحظة، وتُظهر أن الداخل اللبناني نفسه يحاول تقليل احتمالات الانفجار، دون ضمانات أن جميع الأطراف ستلتزم بذلك.
أي توسع كبير في الجنوب اللبناني يعني حرب جبهات لإسرائيل، واستنزافًا للبنان ذاته، وتحوّلًا في مزاج الأسواق الإقليمية بصورة فورية، ما يجعله مفصلًا حاسمًا في قراءة الأيام المقبلة.

محور البحر: اليمن والحوثيون وسلاح الممرات


يضع مركز دراسات حزب الغد الليبرالي المصري – محور البحر في قلب التقدير، لأن البحر الأحمر وباب المندب ليسا مجرد “مسار ملاحي”، بل شريان اقتصادي عالمي، وأداة ضغط استراتيجية يمكن تشغيلها دون اشتباك بري مباشر.
مؤشرات اليوم تتضمن تحذيرات ملاحية ورفع مستوى التأهب البحري، مع تنبيهات صريحة لاحتمال امتداد الأخطار إلى البحر الأحمر وخليج عدن، ما يضع الملاحة العالمية أمام احتمال ارتفاع فوري في كلفة التأمين والشحن.
أي عودة مكثفة لنمط الهجمات الحوثية على السفن—سواء بدافع دعم سياسي معلن أو ضمن حسابات الردع الإقليمي—ستُترجم سريعًا إلى إعادة تسعير للمخاطر، وتغيّر في قرارات شركات الشحن بشأن المرور من قناة السويس أو الالتفاف عبر مسارات أطول.
أخطر ما في هذا المحور أن “التهديد” وحده يكفي أحيانًا لصناعة الأثر، حتى دون إغلاق فعلي، لأن الأسواق لا تنتظر تحقق الكارثة كي ترفع علاوة المخاطر.

العراق والكويت: هشاشة إضافية في توقيت خطير


يتقاطع التوتر القائم بين العراق والكويت حول ملفات بحرية وحدودية مع لحظة إقليمية شديدة الحساسية، فيتحول نزاع قابل للاحتواء في زمن الهدوء إلى عامل تفجير إضافي في زمن التوتر.
شمال الخليج منطقة تتضخم فيها المخاطر بمجرد تزايد الإنذارات، لأن أي إشارة لاضطراب سياسي أو أمني ترفع القلق حول تدفق الطاقة، وحول سلامة الموانئ والتأمين البحري، وحول أمن القواعد الأجنبية الموجودة في محيط المنطقة.

ردود الفعل الدولية: ماذا تريد القوى الكبرى فعلًا؟


الولايات المتحدة تبدو—بحسب ما يظهر في الرسائل المعلنة وتدابير الحماية الإقليمية—بين منطقين متعارضين: رفع سقف الردع عبر عمل عسكري مباشر أو داعم، ثم محاولة منع حرب شاملة تستنزف الأسواق والقوات والشرعية السياسية.
روسيا
اختارت خطابًا حادًا في وصف الضربات ودعت إلى تحرك في مجلس الأمن، محذرة من تداعيات واسعة واحتمالات كارثية إذا طال الاستهداف مواقع حساسة، وهو موقف يجمع بين اعتبارات القانون الدولي وحسابات الصراع على النفوذ مع الغرب.
🔸 أوروبا
تقرأ المشهد من زاويتين متلازمتين: الطاقة والهجرة
ارتفاع أسعار النفط أو اضطراب الملاحة يعيد التضخم إلى الواجهة، ومعه أزمات داخلية قد تُشعلها موجات نزوح إذا اتسع نطاق الحرب.
🔸 الصين
طرف في فاتورة النار تجارتها وسلاسل إمدادها تتغذى على استقرار الممرات البحرية، وأي خلل طويل يضغط على نموذجها الاقتصادي، حتى لو لم تقترب من ساحة القتال.

السيناريوهات:
مفاتيح الترجيح ومسارات الانزلاق


🔸 سيناريو الاحتواء السريع يحتاج إلى إرادة ضاغطة من واشنطن وحلفائها، وإلى مخرج سياسي يسمح لطهران بوقف التصعيد دون أن يبدو ذلك تراجعًا مجانيًا، مع بقاء “الرسالة” الردعية قائمة.
🔸 سيناريو التصعيد المحدود الممتد هو الأكثر واقعية في المدى القريب، لأن أطرافًا عديدة ستفضل “إدارة الأزمة” على إشعال حرب شاملة، لكن خطورته أنه يراكم احتمالات الخطأ: ضربة تصيب هدفًا حساسًا، أو سقوط ضحايا بأعداد كبيرة، أو استهداف منشأة نوعية، فتُسقط سقف الضبط.
🔸 سيناريو الانزلاق الإقليمي الواسع قد يُفتح عبر أحد مفاتيح ثلاثة: توسع شامل من الجبهة اللبنانية، ضرب منشآت طاقة أو ممرات بحرية بصورة تؤثر عالميًا، أو استهداف مواقع تُقرأ كتهديد وجودي بما يدفع لرد خارج التوقعات.

تقدير موقف تفصيلي للدول المعنية: خرائط المصالح والقيود

مصر:
مركز الثقل الذي لا يملك رفاهية المفاجآت
🔸 يضع مركز دراسات حزب الغد الليبرالي المصري – مصر في قلب هذا التقدير، لأن القاهرة تتلقى ارتدادات الصراع من أبواب أربعة تتزامن وتضغط بعضها على بعض: قناة السويس، البحر الأحمر، غزة، وأسعار الطاقة.
🔸 قناة السويس
ليست رقمًا ماليًا فحسب؛ إنها مؤشر ثقة عالمي. ارتفاع المخاطر في البحر الأحمر أو شرق المتوسط يدفع شركات كبرى إلى إعادة تقييم المسار، أو إلى طلب علاوات تأمين أعلى، أو إلى الالتفاف عبر طرق أطول، وهو ما ينعكس فورًا على تدفقات العملة الصعبة وعلى المزاج الاستثماري تجاه مصر.
🔸 البحر الأحمر وباب المندب
شريان للاقتصاد المصري ومفتاح لاستقراره المالي. حين يتحول البحر إلى “لوحة مفاتيح” للضغط السياسي، تصبح حماية الممر واستقرار الملاحة جزءًا من الأمن القومي المباشر، لا ملفًا خارجيًا قابلًا للتأجيل.
🔸 غزة وسيناء
بوابة ضغط موازية. اتساع الحرب الإقليمية يضيّق هامش المناورة في غزة، ويزيد احتمالات الانفجار الإنساني، ويضع سيناء أمام ضغوط أمنية متجددة، بينما تظل القاهرة مطالبة بدور وسيط لا يملك رفاهية الانسحاب.
🔸 الطاقة والاقتصاد الكلي
يتلقيان الضربة بهدوءٍ ثقيل: أي ارتفاع في النفط يرفع كلفة الاستيراد والشحن والتأمين، ويضغط على الأسعار المحلية، ويزيد حساسية الأسواق تجاه الدين وخدمة الدين، في لحظة يحتاج فيها الاقتصاد المصري إلى يقين لا إلى موجات قلق جديدة.
🔸 التقدير المرجح للموقف المصري يميل إلى الحذر المحسوب: نشاط دبلوماسي لمنع الانزلاق، تعزيز ترتيبات أمن الملاحة، إدارة ملف غزة بوصفه صمام أمان داخلي وإقليمي، مع تجنب خطابات تصعيدية تُفقد القاهرة مرونتها كوسيط.

إسرائيل:
دفاع متعدد الطبقات.. وقلق جبهة داخلية


🔸 الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل اليوم تعكس قناعة بأن المواجهة ليست “طلعة واحدة” بل مسار قابل للتكرار، وأن الجبهة الداخلية ستكون جزءًا من المعركة عبر تعطيل طويل وتدابير طوارئ ومخاوف من موجات قادمة.
🔸 الدفاع الجوي يرفع معدل النجاة لكنه لا يُنتج ضمانًا كاملًا، ومع كل موجة صاروخية يصبح السؤال مركبًا: قدرة الاعتراض من جهة، وقدرة الاقتصاد والمجتمع على تحمل الإيقاع من جهة أخرى.

إيران:
الردع بالصواريخ… ورسالة أن الحرب لا تبقى داخل الحدود
🔸 بنية القوة الإيرانية في هذا النوع من الاشتباك تقوم على كتلة نيرانية متنوعة، وعلى تعدد أدوات الضغط من الصواريخ إلى المسيّرات إلى الأوراق البحرية عبر الحلفاء، بما يسمح بتوسيع الكلفة على الخصم دون الدخول دائمًا في مواجهة متماثلة.
🔸 الرسالة الأساسية المتوقعة من طهران هي تثبيت معادلة: ضرب العمق يقابله تهديد للعمق، ومحاولة عزلها تقابلها قدرة على تشغيل أكثر من ساحة في وقت واحد، مع توظيف أثر الأسواق قبل أثر السلاح.

لبنان وحزب الله: المفارقة الصعبة


🔸 فتح الجبهة اللبنانية يرفع كلفة الحرب على إسرائيل، لكنه قد يضع لبنان كله تحت نار هائلة، ما يجعل قرار الانخراط الكامل بالغ الحساسية.
🔸 المرجح—ما لم يقع حدثٌ كبير—هو استمرار نمط “الضغط دون الانتحار”: رسائل نارية محسوبة، إبقاء التهديد قائمًا، وتفادي القفز إلى معركة تُفقد الداخل اللبناني ما تبقى من قدرة على الاحتمال.

اليمن والحوثيون: تشغيل البحر كرافعة تفاوض أو كساحة إزعاج


🔸 قدرة الحوثيين على تعطيل الملاحة ليست افتراضًا. تجارب سابقة رفعت رسوم التأمين وأثرت على قرارات شركات الشحن، وأي عودة قوية لهذا النمط في ظل التصعيد الراهن ستصيب مصر في شريانها الملاحي قبل أن تصيب غيرها.
🔸 اتساع تعريف “الهدف” ليشمل سفنًا لا ترتبط مباشرة بإسرائيل هو مؤشر تحذيري بالغ الأهمية، لأنه يعني أن كلفة المخاطر ستصبح عامة لا انتقائية، وأن السوق سيدفع الفاتورة فورًا.

العراق والكويت:
نزاع حدودي يضاعف حساسية الخليج


🔸 تجدد الخلاف البحري يُضاف إلى لحظة توتر، فيرفع حساسية شمال الخليج. الأثر لا يأتي من الحدث وحده، بل من تراكم الإنذارات: كل توتر إضافي يرفع علاوة المخاطر على الطاقة، وعلى التأمين، وعلى الاستثمارات، ويضغط على اقتصادات المنطقة ومنها مصر عبر قناة أسعار الطاقة والتجارة العالمية.

تركيا والسعودية والإمارات والخليج وشمال أفريقيا:
موجات متفاوتة من الأثر


🔸 تركيا
تبحث عن توازن بين علاقات متشابكة ومصالح اقتصادية وأمنية، مع رغبة في لعب دور تهدئة أو وساطة دون الانجرار لمواجهة تضر تجارتها وطاقة اقتصادها وحساسيتها الداخلية.
🔸 السعودية
أولوية الاستقرار النفطي والأمني. أي تهديد للممرات أو تصعيد طويل يرفع المخاطر على الأسعار وعلى الأمن، ما يدفعها عادة إلى دعم التهدئة مع الحفاظ على خيارات ردع إقليمي.
🔸 الإمارات
حساسية اقتصادها البحرية-التجارية تجعلها تدفع باتجاه خفض المخاطر، وحماية الموانئ وسلاسل الإمداد، وتعزيز التنسيق البحري عند الضرورة.
🔸 الخليج عمومًا
يتأثر بعلاوة المخاطر وبسلامة المضائق والمنشآت. حتى دون ضربات مباشرة، السوق يعاقب المنطقة عبر التأمين والتمويل وتذبذب الاستثمار.
🔸 شمال أفريقيا
يتأثر عبر أسعار الطاقة والمناخ الاستثماري والضغوط الاجتماعية الناتجة عن موجات تضخم إذا ارتفعت كلفة الاستيراد والشحن.

تداعيات أسواق النفط والطاقة: من الصدمة إلى إعادة التسعير


أسواق النفط تتفاعل مع “الاحتمال” قبل “الحدث”، ومع ارتفاع التوتر يصبح حديث السوق عن خطر التعطل في الممرات—خاصة المضائق ومسارات الشحن—جزءًا من تسعير فوري يرتفع معه سعر البرميل وتعلو تكلفة التحوط.
الغاز المسال يتأثر كذلك، لأن أي اضطراب في الممرات أو تزايد المخاطر حول مناطق التصدير يضغط على أوروبا وآسيا في آن واحد، ويعيد رسم حسابات الشتاء القادم وتكاليف الصناعة.
مع ارتفاع الطاقة ترتفع كلفة النقل والشحن والتأمين، ثم تنتقل العدوى إلى أسعار الغذاء والسلع الأساسية، فتتحول الأزمة العسكرية إلى موجة تضخم عابرة للحدود.

إعادة رسم التحالفات: معيار الاصطفاف الجديد


المواجهة الحالية تسرّع ثلاثة مسارات متوازية: تقارب تكتيكي بين أطراف كانت متباعدة خشية الانفلات، تصدع داخل تحالفات قائمة إذا ارتفعت كلفة الانخراط، وولادة ترتيبات أمن بحري جديدة عنوانها حماية الممرات قبل أي شعار آخر.
معيار الاصطفاف في “ما بعد الجولة” لن يكون الخطاب، بل القدرة على حماية الاقتصاد والممرات، وضبط الأمن الداخلي، وإدارة الضغط الاجتماعي حين ترتفع الأسعار وتختنق التجارة.

عنوان بارز: التأثيرات الاستراتيجية والاقتصادية على مصر


يشير مركز دراسات حزب الغد الليبرالي المصري – باريس إلى أن مصر تواجه مزيجًا نادرًا من المخاطر المتزامنة، لأن ما يحدث يمر من فوق خريطتها البحرية والاقتصادية قبل أن يمر فوق خرائط الآخرين.
قناة السويس تقف في واجهة التهديد غير المباشر. أي ارتفاع كبير في المخاطر في البحر الأحمر يدفع شركات شحن إلى تقليص المرور أو إلى زيادة علاوات التأمين، وهو ما ينعكس على الإيرادات الدولارية وعلى كلفة الاستيراد وعلى ثقة السوق في قدرة مصر على تثبيت مواردها الخارجية.
🔸 تجارب أزمات سابقة في البحر الأحمر أظهرت أن قرار التحويل إلى مسارات أطول قد يحدث بسرعة حين ترتفع المخاطر، وأن عودة الشركات قد تتأخر حتى بعد تراجع التهديد، لأن التأمين يعمل بمنطق “الاستقرار المستدام” لا بمنطق “الخبر العاجل”.
🔸 التأثير لا يقتصر على القناة وحدها؛ تراجع المرور يعني ضغطًا على الاحتياطيات وعلى قدرة تمويل الواردات، ومعه تزداد حساسية السوق تجاه سعر الصرف وتجاه كلفة الاقتراض وتجاه قدرة الدولة على إدارة عجز الحساب الجاري.
🔸 الطاقة تضغط على الموازنة من بابين: باب تكلفة الاستيراد، وباب أثر التضخم. ارتفاع النفط عالميًا يرفع كلفة النقل والكهرباء والإنتاج، ويُربك خطط التحكم في الأسعار، ويزيد أعباء الدعم أو أعباء التعويض الاجتماعي، فتتسع دوائر العجز أو تتقلص مساحات الاستثمار العام.
🔸 خدمة الدين تتلقى أثرًا مضاعفًا حين ترتفع المخاطر: تكلفة التمويل ترتفع، وعلاوة المخاطر على الاقتراض الخارجي تتسع، والضغط على الموارد الدولارية يزيد، فتتحول موجة التوتر إلى عامل ضغط مالي طويل إذا طال أمدها.
🔸 البحر الأحمر يفرض على مصر خيارات أمنية-دبلوماسية متزامنة: تأمين الممر، تعزيز التنسيق مع الدول المشاطئة، وتثبيت شبكة إنذار مبكر بحرية، مع إدارة دقيقة للرسائل السياسية حتى لا تتحول القاهرة إلى طرف في صراع لا يخدم مصالحها المباشرة.
🔸 ملف غزة يظل صمام أمان داخلي وإقليمي. اتساع الحرب قد يفرض ضغوطًا إنسانية وأمنية، ويجعل الوساطة المصرية أكثر تعقيدًا، لكنه في الوقت ذاته يمنح القاهرة دورًا لا يمكن تجاوزه إذا أحسنت إدارة المسافة بين الأطراف.
🔸 السيناريو الأكثر ترجيحًا لمصر—وفق قراءة مركز دراسات حزب الغد الليبرالي المصري – باريس—هو إدارة أزمة ممتدة لا حدثًا عابرًا، بما يعني مزيجًا من: تحصين الملاحة، ضبط الموازنة أمام صدمات الطاقة، تكثيف التحرك الدبلوماسي للتهدئة، ورفع جاهزية الدولة لاحتمالات ضغط اجتماعي إذا ارتفع التضخم.

وأخيرا.. من “التأديب المتبادل” إلى “الاختبار المتبادل”


🔸 المعادلة خرجت من منطقة “الرسائل المحسوبة” إلى منطقة “الاختبار المتبادل”، حيث يقيس كل طرف قدرة الآخر على الاحتمال، لا مجرد قدرته على الرد.
🔸 الأرجح استمرار تصعيد محدود متكرر، لأن كلفة الحرب الشاملة أعلى من أن يتحملها الجميع، لكن خطورة الانزلاق أعلى من أن تُترك دون إدارة دقيقة، خصوصًا مع وجود جبهة لبنان ومحور البحر كمسارات قابلة للاشتعال.
🔸 مصر ليست على هامش هذه القصة؛ مصر في مركز خطوطها البحرية والاقتصادية والإنسانية، والخطر الأكبر ليس في ضربة واحدة، بل في طول الموجة واتساع البحر وارتفاع فاتورة التأمين وتبدل قرارات الشحن، وتعقّد ملفات غزة والبحر الأحمر في وقت واحد.
🔸 يختتم مركز دراسات حزب الغد الليبرالي المصري – باريس هذا التقدير بالتأكيد على أن الأيام المقبلة ستُحدّد ما إذا كانت المنطقة ستعود إلى نمط ردع محدود بضوابط جديدة، أم ستدخل مرحلة ممتدة من عدم الاستقرار الاستراتيجي، تُعيد ترتيب التحالفات وتفرض على الجميع—وفي مقدمتهم مصر—اقتصاد حرب بارد يستهلك الموارد دون إعلان حرب كاملة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى