ثقافة وتاريخمصرملفات وتقارير

دراما الخوارق والجن في مسلسل المداح تسيطر على المشهد الرمضاني

كشفت الحلقات الأخيرة من العمل الدرامي المثير للجدل عن استمرارية لافتة في جذب الانتباه، حيث تمكن مسلسل المداح من الحفاظ على صدارته كأحد أكثر الأعمال متابعة في المواسم الرمضانية المتعاقبة، وانطلق العمل الذي بدأ رحلته في عام 2021 ليصل إلى محطته السادسة في عام 2026 تحت اسم “أسطورة النهاية”، وتستند قصة المسلسل إلى رحلة الطفل صابر الذي عثر عليه الإمام الشيخ سلام على باب مسجد بإحدى قرى الفيوم في شتاء عام 1989، وقرر الشيخ رعايته بعد رؤيا منامية بشرته بمستقبله، لتبدأ من هنا ملحمة صابر الذي تحول من مادح بفرقة صوفية إلى معالج روحاني يواجه صراعات معقدة، وتكررت الكلمة المفتاحية مسلسل المداح لتؤكد قوة العلامة التجارية لهذا العمل في سوق الدراما العربية.

تعتمد الحبكة الدرامية في مسلسل المداح على استغلال الموروث الشعبي المتعلق بعوالم السحر والجن، حيث يظهر صابر في مواجهات مباشرة مع كيانات خفية ومردة وقبائل من الجن وبنات إبليس، وتتداخل هذه الصراعات مع قضايا واقعية مثل عصابات الآثار ومافيا المخدرات، ويطرح العمل تساؤلات حول لجوء البعض إلى السحر كمنظومة عقاب بديلة وسرية بعيدا عن المسارات القانونية التقليدية، ويوفر هذا العالم الافتراضي وسيلة للانتقام دون الحاجة لتقديم أدلة أو كشف الهوية، مما يفسر الارتباط الوثيق بين الجمهور وهذه النوعية من القصص التي تلامس مخاوفهم ورغباتهم الدفينة في الثراء السريع عبر التنقيب عن الكنوز المحروسة بما يسمى “الرصد” أو الجن المكلف بحماية الدفائن.

تحليل الظاهرة الدرامية والارتباط بالموروث الشعبي

يرصد التقرير أن نجاح مسلسل المداح يعود إلى ملامسته لقضايا اجتماعية شائكة مثل “الربط” في ليلة الزفاف، وهي ظاهرة تنتشر في بعض المناطق ويستغلها المشعوذون لابتزاز الراغبين في الزواج مقابل مبالغ مالية، وتتجسد هذه المخاوف في صور ذهنية مثل القرد الأسود أو الرجل العاري التي يتم تداولها في الحكايات الشعبية، ويربط التحليل بين هذه الظواهر وعاطفة الحسد التي تنشأ بين الأقران نتيجة التحولات الاجتماعية، حيث يظل مسلسل المداح نافذة لتفريغ هذه الطاقات السلبية، ويقدم بطل العمل حمادة هلال شخصية إنسانية تخطئ وتصيب وليست بطلة خارقة، مما خلق حالة من القرب النفسي مع المشاهدين الذين يرون فيه تجسيدا للصراع البشري الدائم بين الغواية والطريق الصحيح.

تتقاطع أحداث مسلسل المداح مع وقائع حقيقية شهدتها سنوات 2015 و2018 وصولا إلى 2025، حيث انتشرت أخبار عن حرائق غامضة في قرى مصرية اتهم فيها السكان القوى الخفية، وفي واقعة شهيرة استعان مصطفى بكري بالنائب السابق علاء حسانين المعروف بصلته بهذه العوالم لحل أزمة حرائق في قرية برسيم بقنا، وارتبط اسم حسانين الذي نال عضوية البرلمان في عهد الرئيس الراحل محمد حسني مبارك بقدرات خارقة مزعومة، قبل أن يتم القبض عليه في عام 2021 بتهمة الاتجار في الآثار في قضية ضمت رجل الأعمال حسن راتب، وتؤكد هذه الوقائع أن الدراما تستقي مادتها من واقع معقد يتداخل فيه الاقتصاد بالخرافة وبالرغبة في الهروب من الفقر.

يستعرض العمل الفني تطور الصراع بين الخير والشر بأسلوب يحاكي الإنتاجات العالمية، حيث ظهر الفنان فتحي عبد الوهاب في دور المارد سميح الجلاد ليضفي طابعا ديستوبيا على الأجزاء الرابعة والسادسة، وسبق هذا المسلسل أعمال هامة مثل مسلسل خلف الله للفنان نور الشريف والكبريت الأحمر لأحمد السعدني، بالإضافة إلى أفلام سينمائية كلاسيكية مثل الإنس والجن والتعويذة، ومع تطور التكنولوجيا انتقل نشاط المشعوذين إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تدار عمليات العلاج الروحاني وجلب الحبيب عبر تطبيقات المراسلة الفورية والتحويلات المالية الرقمية، مما يشير إلى تطبيع مجتمعي مع هذه الممارسات التي يجسد مسلسل المداح أبعادها النفسية والدرامية بشكل احترافي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى