
في الوقت الذي تحشد فيه الولايات المتحدة أساطيلها الحربية وقاذفاتها الاستراتيجية ومقاتلاتها لشنّ حرب على إيران، العضو في منظمة المؤتمر الإسلامي الذي يضم 57 دولة بما فيها 22 دولة عربية، نجد العالم الإسلامي لا حول ولا قوة له، يشاهد ما يجري من حشود ضدّها، وهو عاجز عن الوقوف بكلّ فعالية إلى جانبها، وقفة تليق بمكانة وكرامة دوله وشعوبه، وتبعد الحرب عنها.
ما يجري اليوم على الساحة المشرقية يضع دول العالم العربي والإسلامي، أمام مسؤولياتها التاريخية، وهذه الدول تمتلك من مقومات القوة العسكرية والبشرية، والطاقوية، والاقتصادية ما يجعلها في موقع قوي ومؤثر، تستطيع لو أرادت أن توقف التهوّر الأميركي، والاندفاع نحو الحرب.
أليس من واجب منظمة التعاون الإسلامي التي تضمّ في داخلها دول العالمين العربي والإسلامي الوقوف بكلّ حزم إلى جانب دولها، عندما تتعرّض أيّ دولة فيها للعدوان؟!
من يحمي ويدعم هذه الدول كي تدافع عن أرضها وشعوبها وسيادتها وحقوقها؟!
كيف يمكن للعالم الإسلامي أن يعجز حتى الآن على أن يفكّ الحصار عن غزة، وتأمين الغذاء له، ووقف العدوان الإسرائيلي المستمرّ عليها وعلى لبنان وسورية، ولم يستطع وقف الاقتتال الداخلي، في السودان، والصومال، وليبيا، واليمن، وسورية.
كيف يمكن لعالم إسلامي يمتلك كمّاً هائلاً من القدرات العسكرية، ولا يستطيع أن يدافع عن دولة من دوله، وكأنه على هامش الأحداث، وبعيداً عن خطورة التطورات الدولية، والتهديدات التي تحيط به. ما هي الحاجة، وما هو لزوم، ودور وأهمية الإنفاق العسكري الكبير؟!
أليس للدفاع عن الأمن القومي وسيادة الدول الشقيقة؟! هل وضعنا في حسابنا أنّ سقوط دولة ما، سيتبعه سقوط دول أخرى كأحجار الدومينو؟! هل استطاع العالم الإسلامي أن يوقف العدوان والتمدّد الإسرائيلي في الضفة الغربية ولبنان وسورية، وأن يوقف الاعتداءات “الإسرائيلية” المتواصلة في الضفة الغربية وداخل المسجد الأقصى؟! هل استطاعت القواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة منع “إسرائيل” من القيام بعدوانها على دولة شقيقة كقطر، وإيران؟!
هل كانت ردود الفعل العربية والإسلامية على مستوى الحدث، غير الاحتجاج والشجب، والإدانة والاستنكار الذي لا يردع ولا يمنع تمادي المعتدي من اعتداءاته؟!
طالما أن الإنفاق العسكري الضخم في عالمنا العربي متواصل، فلماذا تتواجد القواعد العسكرية في بلادنا؟! في خدمة من هذه القواعد، ولصالح مَن، وضد مَن؟! قولوا لنا مَن هو الشقيق، ومَن هو الصديق، ومَن هو العدو؟! ألم يتوقف العرب، زعماء وشعوب، أمام تصريح السفير الأميركي لدى “اسرائيل” مايك هاكابي، الذي تناول الشرق الأوسط بما فيه من دول عربية، وغير عربية كتركيا وإيران، والذي جاء فيه: “أنه لا يرى مانعاً باستيلاء “إسرائيل” على منطقة الشرق الأوسط بأكملها”، مشيراً إلى نص في التوراة “أنّ أرض إسرائيل من النيل إلى الفرات”؟! لم تتوقف وقاحته عند هذا الحدّ، بل ذهب بعيداً ليقول: “إنه من الجيد لو أخذوها كلها”! على حساب مَن هذا التوسع الإسرائيلي الذي يريده هاكابي؟! أليس على حساب أوطاننا، وشعوبنا وسيادة أراضينا؟! فما الذي فعلناه، وما هو ردّ فعل الدول المعنية غير الشجب، والرفض، والاستنكار، و”الغضب الشديد”، والإدانة الفارغة، فيما دول أخرى التزمت الصمت كصمت القبور؟! عندما لا يستند الحق إلى القوة، عندها يضيع الحق ويذلّ صاحبه على أيدي المعتدين.
كيف يمكن صون دول منطقة الشرق الأوسط من أطماع الغرب، واستهداف العدو “الإسرائيلي” لها؟!
ألا يتوجب على دوله، أن تتصدّى لهذا التمدّد الإسرائيلي، الذي يهدّد الأمن القومي لدول الشرق الأوسط كلها؟! ألا تمتلك دول الشرق الأوسط القدرات العسكرية الضرورية للجم “إسرائيل”، والوقوف صفاً واحداً، بقرار موحّد في وجه في سياسات الهيمنة والنفوذ الغربية في المنطقة؟! إذا كنا غير قادرين على الوقوف في وجه العربدة الإسرائيلية واعتداءاتها، وعاجزين عن الحصول على موقف “محايد” و”نزيه” من “الحليف” الأميركي، فما هو إذن دور وفائدة هذا الإنفاق العسكري طالما أنه لا يستخدم لحماية دولنا، وسيادتها، وأمنها القومي؟! التقارير والبيانات الصادرة عن مصادر أبحاث موثوقة مثل معهد استوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI)، والبنك الدولي، تشير إلى إنّ الإنفاق العسكري للدول العربية بين عامي 1999 و2018 بلغ 2 تريليون دولار كرقم إجمالي تقريبي لجميع الدول العربية على مدى 20 عاماً وحتى عام 2018. فيما بلغ الإنفاق العسكري الإسرائيلي خلال هذه الفترة 249 مليار دولار! أيّ أنّ الإنفاق العسكري العربي يفوق الإنفاق العسكري الإسرائيلي بـ 8 أضعاف!
بيانات SIPRI والإحصاءلت المنشورة حول ميزانيات الدفاع لأهمّ 7 دول عربية خلال 10 سنوات ممتدة بين عامي 2015 و2024، تشير إلى أنّ المملكة العربية السعودية أنفقت 698 مليار دولار على الدفاع، والإمارات العربية المتحدة 240 مليار دولار، الجزائر 155 مليار دولار، قطر 137 مليار دولار، العراق 101 مليار دولار، مصر 97 مليار دولارـ الكويت 80 مليار دولار. مع العلم أنّ Global Firepower أظهر أرقاماً مشابهة، أقلّ دقة من بيانات SIPRI بذلك يكون التقدير الإجمالي للإنفاق العسكري للدول العربية السبع قد بلغ 1 ترليون و500 مليار دولار، وإذا ضمت دولاً أقلّ إنفاقاً مثل المغرب، ولبنان، والأردن، وتونس، والبحرين، وعمان، يصل إجمالي الإنفاق العسكري العربي إلى 1 ترليون و 700 مليار دولار! تجدر الإشارة إلى أنه في عام 2024، بلغ الإنفاق العسكري في الشرق الأوسط 243 مليار دولار، الجزء الأكبر جاء من حصة دول عربية، فيما بلغ الإنفاق العسكري لـ “اسرائيل” 46 مليار دولار، تركيا 25 مليار، وإيران 8 مليارات و400 مليون دولار. وهذا يعني أنّ الإنفاق العسكري للدول العربية يشكل ثلاثة أضعاف إنفاق الدول الثلاث!
العالم الإسلامي والعربي أمام تحدّ كبير بسبب ما تلوّح به الولايات المتحدة من عملية عسكرية تستعدّ لها ضدّ إيران، التي هي اليوم بمثابة القلعة في منطقة الشرق الأوسط التي تقف في وجه قوى التسلط والهيمنة والعدوان.
لذلك يتحتم
الوقوف إلى جانبها، ودعمها، وحمايتها، والدعم والحماية بالدرجة الأولى لدول المشرق العربي وأمنها القومي، حتى لا يأتي اليوم عليها، وترى الولايات المتحدة تطلق يد “إسرائيل” “للاستيلاء على منطقة الشرق الأوسط بأكملها، ويكون “من الجيد لو أخذوها كلها”، كما بشّر بذلك مايك هاكابي.
متى سيدرك العالم الإسلامي، وبالذات قادة العالم العربي خطورة ما يُحضّر لأوطانهم، ودولهم، وشعوبهم ومصيرهم؟! إلى متى سنظلّ رهينة في يد قوى التسلط، التي لا تتوقف عن التحكم بقراراتنا وحقوقنا، وثرواتنا، وكرامتنا؟!
تلويح واشنطن وتل أبيب بالحرب على إيران، هو اليوم اختبار قويّ للعالمين العربي والإسلامي على السواء، لمعرفة مدى جدّيتهما في مؤازرة الشقيق، أفعالاً لا أقوالاً، عملياً لا نظرياً، دون ذلك ستبقى قوى الهيمنة تلهو بالعالم العربي ولا تعيره أي اعتبار، لتبقى على الدوام تقرّر، تملي، تسيطر وتتحكّم بقراراته، ومن ثم تجعله على الدوام كالزبد على سطح الماء.
هل تكون الحشود والضغوط العسكرية الأميركية ضدّ إيران اليوم، فاتحة موقف عربي شجاع يقف بكلّ قوة إلى جانب طهران، ليبعد الحرب عنها، ويجنّب دول المشرق العربي تداعياتها الكارثية؟!
ما أحوج المنطقة المشرقية اليوم إلى القوى الإقليمية الكبرى الثلاث، إيران والمملكة العربية السعودية ومصر، ليقف قادتها معاً، وبقرار موحّد يتجاوز الحساسيات، ويهذب علاقاتهم الأخوية، بهم، وبإرادة حرة وصلبة يستطيعون تغيير وجه المنطقة بما يحفظ سيادتها وأمنها القوميّ، وسلامة شعوبها، ويحصّنها في وجه أيّ عدوان خارجي!
ما المانع لتحقيق هذا؟!







