حدث في مثل هذا اليومملفات وتقارير

thought

الإمام التونسي المولد والجزائري الأصل.. ذكرى رحيل محمد الخضر حسين شيخ الأزهر المستقل

تحل اليوم ذكرى رحيل عالم جليل وقامة إسلامية شامخة، وهو الإمام محمد الخضر حسين، الذي غادر دنيانا في الثامن والعشرين من فبراير لعام 1958 ميلادية. ويمثل الشيخ الخضر حسين حالة فريدة في تاريخ المشيخة؛ لكونه الشخصية الوحيدة من أصول غير مصرية التي اعتلت سدة مشيخة الجامع الأزهر، ضارباً بذلك أروع الأمثلة على عالمية الأزهر الشريف وقدرته على استقطاب القمم العلمية من كافة أرجاء العالم الإسلامي. وُلد هذا العالم المجاهد في بلدة نفطة بتونس عام 1876، لأسرة جزائرية الجذور من عائلة “العمري”، ونشأ في بيئة علمية خالصة جعلت منه أديباً ولغوياً وفقيهًا يشار إليه بالبنان.

رحلة العلم من الزيتونة إلى أروقة الأزهر الشريف

بدأ الإمام رحلته التعليمية في جامع الزيتونة المعمور بتونس، حيث تخرج فيه عام 1898، لتبدأ رحلة تنقل واسعة شملت طرابلس الغرب والجزائر حتى استقر به المقام في مصر. ولم يكن نيل عضوية “هيئة كبار العلماء” بالأزهر أمراً هيناً، إلا أن الشيخ استحقها ببراعة عام 1950 عن رسالته الفذة “القياس في اللغة العربية”. تميز فكره بالتمسك بالأصالة والدفاع عن ثوابت الدين، وظهر ذلك جلياً في مؤلفاته الصارمة التي فند فيها آراءً فكرية أثارت جدلاً واسعاً في عصره، خاصة ردوده على كتاب “الإسلام وأصول الحكم” لعلي عبد الرازق، وكتاب “في الشعر الجاهلي” لطه حسين، مؤكداً على شخصيته العلمية التي لا تهادن في الحق.

الاستقالة التاريخية: موقفٌ لم يثنهِ عنه المنصب

تولى الشيخ محمد الخضر حسين مشيخة الأزهر في 16 سبتمبر 1952، في مرحلة سياسية دقيقة أعقبت ثورة يوليو. ورغم قصر مدة مشيخته التي انتهت في 7 يناير 1954، إلا أنها خُلدت بموقف “الاستقالة الشهيرة”. فقد آثر الشيخ التخلي عن أرفع منصب ديني في العالم الإسلامي احتجاجاً على قرار إلغاء القضاء الشرعي ودمجه في القضاء المدني، مؤكداً أن استقلال القضاء الشرعي جزء لا يتجزأ من هيبة الشريعة. كان يرى أن “شيخ الأزهر يجب أن يكون عزيزاً بعلم الدين”، ولم يقبل أن يكون المنصب مجرد واجهة رسمية دون فاعلية حقيقية في حماية مقدسات الأمة.

إرث العلم والوفاء للوطن الكبير

ترك الإمام الخضر حسين خلفه إرثاً فكرياً ضخماً يتنوع بين الفقه واللغة والأدب، فضلاً عن ديوان شعر يعكس حسه المرهف وارتباطه بقضايا وطنه الكبير من المحيط إلى الخليج. توفي في 28 فبراير 1958 بالقاهرة، ودُفن بها، تاركاً سيرة عطرة لعالم لم تمنعه أصوله الجزائرية أو نشأته التونسية من أن يصبح قلباً نابضاً في جسد الأزهر الشريف، ورمزاً للاستقلال الفكري والنزاهة الإنسانية التي تضع المبادئ فوق المناصب.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى