مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب: سيادة السماء وحق الدفاع.. قراءة قانونية في إسقاط الصواريخ العابرة لأجواء الخليج

في لحظةٍ تتقاطع فيها الجغرافيا مع القانون، وتصبح السماء ساحةً للنزاع بقدر ما هي مجالٌ للسيادة، يثور سؤال لا يحتمل التأجيل: هل يحق لدول الخليج العربي إسقاط الصواريخ التي تعبر أجواءها بحجة أنها عابر للحدود او موجّهة نحو منشآت عسكرية أمريكية؟ أم أن هذا الاعتراض يُعد بدوره استخداماً للقوة؟ الإجابة، من منظور القانون الدولي، ليست سياسية بقدر ما هي نصّية، مؤسَّسة على مبادئ مستقرة في ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي الإنساني.

ينطلق التحليل من قاعدة آمرة في النظام الدولي المعاصر، وهي حظر التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي، وفق المادة 2/4 من الأمم المتحدة في ميثاقها التأسيسي. هذه القاعدة ليست مجرد توجيه أخلاقي، بل حجر الزاوية في منظومة الأمن الجماعي منذ عام 1945. وعليه، فإن إطلاق صواريخ أو مقذوفات عسكرية في مسار يمر عبر أجواء دولة ذات سيادة، من دون موافقتها، يشكّل في الأصل استعمالاً للقوة واعتداءً على سيادتها الإقليمية، حتى لو زُعم أن الهدف النهائي يقع في مكان آخر.

القانون الدولي لا يعترف بفكرة “العبور العسكري العابر” كاستثناء تلقائي. فمبدأ السيادة الكاملة والحصرية للدولة على المجال الجوي فوق إقليمها مكرّس في المادة الأولى من اتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي لعام 1944، التي تؤكد أن لكل دولة سيادة كاملة على الفضاء الجوي الذي يعلو إقليمها. وهذا المبدأ، الذي تديره اليوم منظمة الطيران المدني الدولي، لا يميز بين طائرة مدنية ومقذوف عسكري حين يتعلق الأمر بسلطة الدولة على أجوائها. فإذا عبر صاروخ أجواء دولة خليجية من دون إذنها، فإن الانتهاك قائم بذاته، بصرف النظر عن وجهته النهائية.

غير أن المسألة لا تتوقف عند حدود السيادة، بل تمتد إلى الحق في الدفاع الشرعي. فالمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تقرّ “الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسها إذا وقع هجوم مسلح”. والاجتهاد القضائي لـ محكمة العدل الدولية، ولا سيما في قضية “منصات النفط”، شدّد على معيارَي الضرورة والتناسب في تقييم مشروعية أي فعل دفاعي. فإذا كان المقذوف العابر يشكل خطراً وشيكاً على الإقليم أو السكان أو المنشآت، فإن اعتراضه داخل المجال الجوي للدولة المعنية يُعد ممارسة مباشرة لحق الدفاع عن النفس، لا اعتداءً جديداً. فالدفاع هنا ليس توسعاً في النزاع، بل إجراءً وقائياً لدرء خطر حالّ.

الادعاء بأن الهدف هو منشآت عسكرية أمريكية لا يعفي الدولة المُطلِقة من المسؤولية تجاه دول ثالثة. القانون الدولي لا يسمح بتحويل أجواء دول غير مشاركة في النزاع إلى ممرات نيران. حتى في سياق نزاع مسلح قائم، فإن قواعد القانون الدولي الإنساني، كما كرّستها اللجنة الدولية للصليب الأحمر في دراساتها العرفية، تحظر الهجمات العشوائية أو تلك التي لا يمكن حصر آثارها. وإذا كان مسار الصواريخ أو طبيعتها يعرّض مدنيين في دول أخرى لخطر كبير أو غير قابل للسيطرة، فإن ذلك يثير شبهة مخالفة لمبدأ التمييز والتناسب، وهما من المبادئ الأساسية في قانون النزاعات المسلحة.

ثم إن ثمة بعداً آخر يتعلق بمسؤولية الدولة عن الأضرار العابرة للحدود. فحتى لو لم تُصِب الصواريخ أهدافاً داخل الدولة التي عبرتها، فإن مجرد تعريضها لمخاطر الحطام أو الخطأ في التوجيه أو الانفجار العرضي قد يفتح باب المسؤولية الدولية عن فعل غير مشروع. ويترتب على ذلك، نظرياً، التزام بالتعويض وفق قواعد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً.

من هنا، يبدو الموقف القانوني أوضح مما قد توحي به الضوضاء السياسية. إسقاط الصواريخ داخل أجواء الدولة المتضررة أو فوق إقليمها، متى كان الإجراء ضرورياً ومتناسباً، يستند إلى حق أصيل في حماية السيادة والأمن الوطني. أما إطلاق صواريخ تعبر أجواء دول أخرى من دون موافقتها، وتحت ذريعة استهداف طرف ثالث، فيظل عملاً محفوفاً بمخالفة حظر استعمال القوة وانتهاك السيادة، وقد يرقى – بحسب حجم الأثر وخطورته – إلى هجوم مسلح يبرر الرد الدفاعي.

القانون الدولي، في نهاية المطاف، لا يعترف بـ “الضرر الجانبي الجغرافي” حين يتعلق الأمر بسيادة الدول. السماء، مثل الأرض، ليست فراغاً مباحاً، بل إقليمٌ تحميه قواعد واضحة. وأي دولة تجعل أجواء غيرها ممراً لصواريخها تتحمل تبعات هذا الخيار قانوناً، مهما كانت مبرراته السياسية.

حق لدول الخليج العربي التصدي لهذا العدوان، والرد عليه عسكرياً ايضاً ومطالبة ايران بتحمل مسؤولياتها ودفع الأضرار والتعويضات ومقاضاتها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى