
بعض الأسماء لا تذكر همسا
تستدعى كما تستدعى العواصف
اسم زكي بدر واحد من تلك الأسماء التي لا تمر في الذاكرة بلا صوت
ذكرى ميلاده في 28 فبراير 1926 ليست مناسبة شخصية
بل نافذة على زمن كانت فيه القبضة الأمنية أقوى من الكلمات
وكانت الوزارة ساحة اشتباك لا مكتب إدارة
بدأت معرفتي به قبل الوزارة بسنوات
حين كان مديرا لأمن الدقهلية
يسكن مقابل منزلنا بشارع بوتاري في حي تورييل بالمنصورة
ومديرية الأمن تواجه بيتنا على الضفة الأخرى
كان المشهد يومها أقرب إلى مفارقة
رجل الأمن في مواجهة بيت السياسة
في المجالس الاجتماعية بدا ودودا
رغم انفلات لسانه وعباراته الخشنة
كان يشير أحيانا إلى صلة نسب بعيدة تربط عائلته في المنوفية بعائلة والدتي
أما ابنه محمد زكي بدر فكان زميلي في المدرسة الثانوية
هادئا على عكس صورة الأب التي ستكبر لاحقا في المشهد العام
انتقل محافظا إلى أسيوط
وهناك بدأت الخيوط تتشابك
وصلتني معلومات عن واقعة تخص الضابط ممدوح كدواني
وتفتيش سيارته والعثور على مواد قيل إنها تخص سائقه
ثم عن تضييق تعرض له الرجل بعد ذلك
بدأت أكتب
وبدأ التوتر
بعد أحداث الأمن المركزي
خرج أحمد رشدي من الوزارة
وجاء زكي بدر وزيرا للداخلية في فبراير 1986
منذ تلك اللحظة تغير الإيقاع
تحولت الداخلية إلى مسرح للردع
وصار الرجل عنوان مرحلة كاملة
نشرت في جريدة الوفد تحقيقات عن التعذيب في السجون المصرية
لم يكن الأمر كتابة فقط
بل مواجهة
تفتيش للبيت في القاهرة
محاولات اعتداء
أخطرها الواقعة أسفل مكتب الأستاذ مختار نوح
النائب البرلماني وقتها
حين كنت ذاهبا لتسليمه مستندات نشرت معظمها في سلسلة لازوغلي جيت
التي كشفت عمليات تجسس على أحزاب المعارضة
وبعض الشخصيات العامة
بل وبعض الوزراء في الحكومة نفسها
حادثة الطالبية لم تكن أقل قسوة
ذهبت للقاء أحد الخارجين من السجون
كان يعمل في دار الزهراء للنشر المملوكة للراحل أحمد رائف
وتعرض لاعتداء
بدا أن الحقيقة تستقبل بالعصي لا بالحجج
عودة من السودان بعد لقاء الصادق المهدي
قبل انقلاب عمر البشير
أعقبها توقيف في مطار القاهرة لساعات طويلة
تحقيقات أجراها الضابط حازم حمادي
واللواء مدحت من أمن الدولة
وتسجيلات خضعت لمونتاج بدائي
استخدمت دقائق منها في مجلس الشعب
لتنتهي الجلسة بصفعة وجهها الراحل طلعت رسلان إلى وزير الداخلية
في أيامه الأخيرة بالوزارة
أصدر قرارا بمصادرة كتاب كنت أعده بعنوان العسكري الأسود
لم يكن الوصف مبالغة
بل قراءة لمرحلة
مسيرته الرسمية بدأت في الصعيد
حين كلف بإنهاء ما جرى في مديرية أمن أسيوط بعد اغتيال أنور السادات
واحتلال الجماعات الإسلامية للمديرية
تحت إشراف النبوي إسماعيل
وألقي القبض على قيادات مثل عاصم عبد الماجد وعصام دربالة
رآه أنصاره رجل حسم
ورآه خصومه عنوان قسوة
خطابه في مجلس الشعب ظل مادة تداول
جلسة مؤتمر المعهد الدبلوماسي كانت لحظة فاصلة
حين تجاوز بانتقاداته حتى بعض رجال الدولة المقربين من حسني مبارك
فصدر قرار إقالته في يناير 1990
وجاء محمد عبد الحليم موسى خلفا له
لقاء أخير جمعنا في 7 يناير 1995 بغرفة البابا شنودة الثالث
بحضور الأستاذ ياسين سراج الدين
رفع يدي قائلا الواد ده راجل ونجح بدراعه
ثم أشار إلى مرافقي بعبارة أخرى
لحظة كشفت وجها آخر للرجل
أقل حدة
وأكثر اعترافا بالخصومة
رحل زكي بدر في 4 أبريل 1997
خرج من الدنيا كما دخلها
صاخبا
مثيرا للجدل
ومحملا بتاريخ لا يختصر في جملة
العسكري الأسود لم يكن شخصا فقط
بل مرحلة
مرحلة تطرح سؤالا أكبر من الرجل نفسه
هل يمكن للدولة أن تحمي نفسها بلا أن تفقد إنسانيتها
وجوه لا تغيب
بعضها يلهم
وبعضها يحذر
وبعضها يتركنا نتأمل الثمن
حين تتقدم القبضة على الحكمة







