
شكلت أزمة الديمقراطية في الوطن العربي عديد المظاهر التي لم يكن مجهدا للمراقبين ملاحظتها بجلاء. فكما أن دلائل قيام الاستحقاق الديمقراطي تبقى ماثلة للأذهان ولا تُخطئها عين، مثل تداول السلطة، وحرية الرأي والتعبير، والقضاء المستقل، والانتخابات الحرة النزيهة، والإعلام الحر، والأحزاب والمجتمع المدني المتمدين، تبقى مؤشرات الشمولية وربما التسلط والاستبداد ماثلة لا تُخطأها -هي الأخرى- عين. والتي يعتبر أبرز نتائجها حدوث انتكاسات داخلية وخارجية كبرى، على النحو الذي نراه الأن في خيبة عربية كاملة بسبب الخنوع أمام العدوان الصهيو-أمريكي المستمر على الأمتين العربية والإسلامية.
ملكيات غير دستورية
تنتشر في العالم العربي النظم الملكية غير الدستورية، ويعنى بها النظم الملكية التي لا تتشابه مع النظم الملكية المتمدينة التي تكون فيها الولاية السياسية بالانتخاب لحكومات، والولاية الشرفية للملوك والسلاطين والأمراء. في العالم العربي هناك 6 نظم ملكية في الخليج العربي، إضافة إلى الأردن والمغرب في المشرق والمغرب العربي. وهذه النظم تختلف فيما بينها بشأن درجة طغيان سلطة الملوك والأمراء والسلاطين، فالكويت والمغرب ليست بالتأكيد مثل العربية السعودية والبحرين، في سلطة إصدار المراسيم والقوانين وحقوق الإنسان وحرية الإعلام وإستقلال القضاء. ولكن كافة تلك النظم تتشابه في وجود سلطة سياسية تمتلك كل أركان الحكم، فهي القابض على كافة منابع بل ومنابت السلطة التنفيذية.
استشراء النظم العسكرية أو المدعومة عسكريا
كانت النظم العسكرية أو المدعومة من الجيوش قائمة في أغلب بلدان العالم العربي وقت الاستقلال، واليوم انحسرت في دولتين هما السودان وبشكل أقل كثيرا في مصر. في هذه النظم كان الاعتماد على الجيش في الحكم هو الغالب، فهو من يدير قطاعات جوهرية في الاقتصاد ويدير بعض الشئون الاجتماعية كالتعليم والصحة بشكل محدد، إضافة إلى إدارة الجيوش للشأن الإداري، على النحو الظاهر في قيادته أعمال التدريب والإشراف على التعيين والترقي في الوظائف، وإشراك الضباط المتقاعدين في معظم هيئات الدولة القومية وهياكلها الإدارية في المحافظات والمدن. وفي الشأن السياسي، فإن المنظومة العسكرية خاصة والأمنية عامة، قائمة ومتواجدة وممثلة حتى في تأسيس وبقاء الأحزاب السياسية الرئيسة في البلدان التى تقر بالتعددية ولو شكلا.
كارزما القيادة
يعتبر ابتداع كارزما القيادات سمة في معظم البلدان العربية بغض النظر عن تباين نظم الحكم فيها، ملكية أو جمهورية. فقد دأب أغلب الزعماء العرب على خلق كارزما لذواتهم في محاكاة واضحة وغير سوية للرئيس جمال عبد الناصر. فوضع تماثيل للزعيم ونشر صوره في كل الشوارع والميادين وأسفلها عبارات الدعاء والإطراء، وترديد خطب الزعيم في وسائل الإعلام، وبطانة الزعيم القائمة على تضخيم ذاته وأقواله، والإشارة الدائمة إلى أن كل نجاح تم بناء على توجيهات الزعيم، وإحاطة الزعيم بهالة من الحراسات والحمايات المبالغ فيها، والتأكيد الدائم على أن كل ما يحدث من وقائع هو ما تنبأ به في الماضي، وغرس مقولة أنه ليس في الإمكان أن يحل محل الزعيم أحد لتجاربه الجسورة ولعظم الثقل الذي يحمله اللهم إلا في حالة توريث المنصب لأبنه…إلخ كل ذلك وغيره هو أساس متميز لصنع الدكتاتور وحكم الفرد المستبد. ولعل من نافلة القول أن كل ما يحدث يصبح هباء منثورا، بمجرد خروج الزعيم -أو وريثه من بعده- من الحياة السياسية بالموت أو الإنقلاب أو خلافه، إذ تبرز مساوئ الرجل، وكيف ساهم في تخريب النظام، بل أن كل من أطرى عليه أنفا يتبرئ وينكر إطرائه، حيث تبدأ موجه جديدة من نسخ صور الكارزما للزعيم الجديد، الذي عادة لا ينظر خلفه ولا يتعظ من سلفه.
تزوير الانتخابات
يعتبر تزوير الانتخابات سمة من سمات الحكم في أغلب النظم العربية التي تأخذ بالانتخابات كوسيلة لنقل السلطة. ويأخذ التزوير أشكالا متعددة، ليس هنا مجالا لذكر تفاصيلها، لكنها في المجمل تفضي لبقاء الأوضاع على حالها دون تغيير، بسبب سيادة نمط النتائج الـ99,9% أو ما هو أقرب لذلك، وأيضا نسب المشاركة في الاقتراع المبالغ فيها، والتي لا تنتمي للحقيقة في شيء، ناهيك عن نسب الترشيح للمنصب الواحد، والذي يأخذ شكل مصطنع، حتى يظهر للناس أن هناك استحقاق ديمقراطي شكلي ينفذ. هنا يتم خلق وابتكار شخصيات كاريكاتيرية لمنافسة الزعيم في انتخابات الرئاسة، أو منافسة الحزب أو الأحزاب المهيمنة التى أبتكرها النظام في الانتخابات البرلمانية. وغالبا ما ينتهي المشهد باستمرار القيادات في مواقعها دون تغيير، ما يجعل عملية التداول السلمي للسلطة غير قائمة، ما ينذر بإنفجار الأوضاع على غير توقع من قادة هذه المشهد، وتوقع مؤكد من كل من يراه من الخارج، وذلك كله على النحو الذي جرى على سبيل المثال لا الحصر في مصر مبارك وسوريا الأسد وتونس بن على.
الحكم بالطوارئ وربما المراسيم
يعد الحكم بقوانين الطوارئ والمراسيم من أبرز سبل قهر المعارضة العربية. فمن خلاله يتم إجهاض كافة استحقاقات حقوق الإنسان، وذلك عبر فتح السجون والمعتقلات وممارسة التعذيب، وإصدار أحكام بدون دفاع أو بحقوق دفاع مقيدة، والمغالاة في الحبس الاحتياطي للموقوفين بسبب عدم القدرة على إثبات الاتهامات عليهم. وتنقسم الإجراءات أنفة الذكر إلى نوعين. الأول، الحكم بالطوارئ حيث تكون هناك قوانين جاهزة، ولا يتبقى إلا إعلان الحاكم أو البرلمان عنها، لسير عملها. والثاني، الحكم بالمراسيم حيث تصدر القرارات بقوانين من الحاكم مباشرة في كل حالة أو ظرف لتقييد الحريات العامة. وعامة، فإنه سواء كان الحكم بقوانين الطوارئ أو بالمراسيم، فإنه يتم تعليق كافة الحقوق السياسية والمدنية للمواطن، وتسير البلاد في حالة تعبئة لمواجهة العدو الداخلي، في حين يُترك العدو الخارجي يعيث فسادا دون أية مؤاخذة، بحيث يسرى على الحكام قول الشاعر عمران بن حطان في الحجاج بن يوسف الثقفي “أسد على وفي الحروب نعامة”. أبرز مثال على ذلك سوريا تحت حكم الأسد الأبن.
تقويض حرية الرأي والتعبير
تشكل ثلة القيود على حرية الرأي والتعبير -وهي أحد أبرز دعائم الديمقراطية- سمة واحدة تقريبا في كافة البلدان العربية، حيث تنفق النظم ما لا تطيق في مراقبة ردود أفعال قادة الرأي في المجتمع، ممثلا في خطب أو اجتماعات أو حشود، ناهيك عن متابعة المحتوى الرقمي أو النتي بشكل دائم، فتمنع الكلمة أو الصورة القائمة على التعقيب على موقف أو إصدار رأي في المشهد الداخلي وربما الخارجي. نتيجة كل ذلك هو تكميم الأفواة، وستر العيوب، دون أن يعي الحاكم أن كل ما سبق هو المولد المؤكد للحظة إنفجار طبيعية، بعد كتم الفوران والغليان داخل القدر الملتهب.
عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية
لا شك أن عدم المساواة في نيل المواطن لحقوقه الاقتصادية والاجتماعية، يشكل مظهر مهم من مظاهر غياب الديمقراطية. وتتمثل أبرز مؤشرات عدم المساواة في التفرقة بين الناس بسبب الثروة أو الانتماء لطبقة أو مهنة أو عمل أو نوع أو ثقافة أو عرق. وتظهر نتائج عدم المساواة في تولى وظائف متدنية أو قصر مواقع على فئة بعينها، أو وجود فوارق كبيرة في الدخول الدنيا والقصوى رغم تحديدها أحيانا بقوانين، أو تباين في أوضاع العلاج والتداوي وسبل التشافي بين الناس، أو في مؤسسات التعليم المختلفة المدرسية والجامعية، وكل ذلك يفضي إلى تولد طبيعى للأحقاد والعداوات والضغائن بين أفراد المجتمع، المفترض أن يحكموا وفق قواعد المساواة والنزاهة.
مؤسسة تشريعية تمريرية
تعتبر أغلب المؤسسات التشريعية القائمة في الوطن العربي مؤسسات تمريرية Rubber Stamp بمعنى أنها تقوم بالتصديق على كل ما يطلب منها دون نقاش جاد. من خلال ذلك العمل تنتهي الرقابة السياسية، ويصبح الحاكم طليق اليد في فعل كل ما يريد لتثبيت أركان حكمه، عبر الموافقات الآلية على مشروعات القوانين المقدمة من الحكومة -وبعضها يقر أوضاع استثنائية وتقييدات حقوقية- والموافقة على الموازنات والحسابات الختامية مهما شابهها من أرقام، ناهيك عن عدم التقدم بأية استجوابات أو طلب تشكيل لجان تقصى حقائق في وقائع الغبن أو الفساد أو التزوير أو عدم المساواة أو انحدار مستوى الخدمات…إلخ.
قضاء غير مستقل
يمثل القضاء غير المستقل مظهر أخر من مظاهر غياب الديمقراطية في الوطن العربي، عبر سياسة العصى والجزرة. الجزرة من خلال التحكم في تعيينات القضاة في النيابات وفي محاكم محددة، والتفرقة بينهم في الحوافز والعطايا، وأعمال ندبهم في دواوين السلطتين التنفيذية والتشريعية. والعصى من خلال تهديدهم وملاحقتهم ومراقبة تصرفاتهم قبل ابتزازهم. كل هذه الأمور يكون غرضها تطويع القضاء، وإصدار أحكام على هوى النظام، ما يجعل هناك نوع من شرعنة -دسترة وتقنين- تصرفاته القائمة على الاستبداد وبقاء الوضع القائم على حاله.
إعلام تابع
يعتبر الإعلام أحد أهم أزرع النظم العربية الحاكمة للتسويق والترويج لبضاعته الاستبدادية والتسلطية. فمن خلال السماح فقط للصوت الواحد أن يسود ومنع الصوت المقابل أن يصدُر، يكون قد تحقق الهدف وهو غياب حق الرأي والتعبير، وغياب طرح البدائل، وكيل المديح والإطراء على الأوضاع القائمة، وتمجيد الحاكم والمؤسسات المحيطة به.







