مقالات وآراء

د.ميادة سوار الدهب تكتب: إسقاط النظام الإيراني.. مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط[1]

لم يعد من الممكن قراءة التصعيد بين إسرائيل وإيران باعتباره مجرد مواجهة عسكرية محدودة أو محاولة لتدمير المشروع النووي الإيراني. ما تكشف تدريجياً وعلى لسان نتنياهو هو مشروع استراتيجي أوسع: إسقاط النظام الإيراني كمدخل لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق ميزان قوى جديده تتبناه إسرائيل.
فاستهداف البنية القيادية، والمقار السيادية، ومراكز القرار، يشير إلى محاولة ضرب رأس النظام ذو البنية التراتبية الهرمية وهذا يؤدي إلى إضعاف القيادة و التفكك التدريجي في مفاصل الدولة.

لكن إسقاط الأنظمة لا يتم بالقوة الجوية وحدها. لذلك يجري العمل على مسارين متوازيين: استهداف البنية الاقتصادية مايزيد من هشاشة النظام الإيراني، وزعزعة الاستقرار الداخلي و تجريد النظام من شرعيته.
الهدف ليس الانتصار العسكري المباشر، بل شل قدرته على الحكم و خلق انفجار داخلي يجعل سقوط النظام نتيجة حتميه.

المؤشر الأكثر دلالة هو تراجع حلفاء إيران الإقليميين. استراتيجية حروب الوكلاء التي استخدمتها طهران لعقود ومنحتها عمقاً استراتيجيا تبدو في هذه الجولة من الحرب حتى الآن أقل قدرة على المواجهة مما يكشف النظام الإيراني أمام ضربات مباشرة ويضعف قدرته على توسيع ساحة الصراع.

أما إسرائيل، تسعى إلى إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة. إسقاط إيران كقوة إقليمية يعني القضاء على آخر منافس استراتيجي قادر على تهديد وجودها ، ويفتح الباب أمام شرق أوسط جديد تتزعمه إسرائيل وتعاد فيه صياغة موازين القوة من جديد.
الولايات المتحدة لا تعارض إعادة تشكيل التوازن الإقليمي طالما أنه يحد من نفوذ إيران ويعزز أمن حلفائها. تقسيم الأدوار بين واشنطن وتل أبيب مؤشر إلى خطة استراتيجية طويلة الأمد.

دول الخليج ترفض أن تكون ساحة حرب أو كبش فداء، وفي ذات السياق تدرك تماماً أن أي تصعيد إيراني خصوصاً في مضيق هرمز أو البحر الأحمر سيجعلها في قلب المواجهة. وفي ذات السياق التهديد من التوغل الاسرائيلي مستقبلا قد يدفع دول الخليج إلى بلورة ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.
الخطر الأكبر لا يكمن في الحرب نفسها، بل في ما بعدها. فإسقاط نظام قوة إقليمية كإيران قد يفتح الباب أمام فراغ جيوسياسي وفوضى تمتد من الخليج إلى المتوسط. التاريخ القريب يثبت أن تفكيك الدول لاينتج أمنا و استقرارا ويعيد مجددا أنماط الفوضى في المنطقة.

وبالرغم من ذلك يظل منطق القوة هو الغالب بدون الأخذ في الاعتبار دروس التاريخ . الحرب الدائرة اليوم لا تتعلق ببرنامج نووي أو صواريخ باليستية بل بسؤال أكبر: من يرسم خريطة الشرق الأوسط القادمة؟

الشرق الأوسط يقف على أعتاب لحظة مفصلية قد تعيد تشكيله لعقود لترسم ملامح شرق أوسط جديد، ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع على شكل الشرق الأوسط القادم قد يقود إلى فوضى ممتدة تطال الجميع دون استثناء.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى