مقالات وآراء

نادر فتوح يكتب: إيران وإسرائيل وجهان لعملة واحدة.. عبارة صحيحة أم تضليل سياسي؟!

هل إيران وإسرائيل وجهان لعملة واحدة؟ مع كل تصعيد عسكري في المنطقة تتكرر الجملة ذاتها: “إيران وإسرائيل وجهان لعملة واحدة” ويعلو صوت آخر يقول: “ليحترق الطرفان معًا”. الطرح يبدو حاسمًا ومباشرًا ومريحًا للغضب الشعبي، لكنه يحتاج إلى تفكيك هادئ في إطار قانوني وأخلاقي قبل أن يكون انفعاليًا.

إسرائيل ليست مجرد دولة تختلف معنا سياسيًا، بل هي كيان قائم على مشروع احتلال إحلالي في أرض فلسطين، وهذا توصيف قانوني قبل أن يكون سياسيًا. هناك احتلال مستمر واستيطان وتهجير وحصار وإدارة مباشرة أو غير مباشرة لأرض وشعب بالقوة، وبالتالي فالصراع معها ليس خلافًا دبلوماسيًا عابرًا بل صراع تحرر وطني واضح المعالم.

في المقابل، إيران دولة إقليمية ذات مشروع نفوذ سياسي وأمني في المنطقة، تدعم أطرافًا مسلحة وتتدخل في ملفات إقليمية متعددة، ولها سجل حقوقي داخلي مثار جدل وانتقاد، لكنها ليست قوة احتلال في فلسطين. هنا يكمن الفرق الجوهري؛ فإسرائيل تحتل أرضًا عربية وتبني عليها مشروعًا استيطانيًا إحلاليًا، بينما تمارس إيران نفوذًا سياسيًا وعسكريًا في ساحات إقليمية يمكن رفضه أو نقده أو معارضته، لكنه لا يرقى إلى طبيعة الاحتلال الإحلالي.

القول إن “الطرفين مجرمان إذًا هما سواء” فيه قفز فوق السياق، فالجرائم لا تُقاس بالشعارات بل بطبيعة الفعل وبنيته وهدفه واستمراريته، وهناك فرق بين كيان نشأ على اقتلاع شعب من أرضه وبين دولة ذات مشروع نفوذ تُنتقد سياساتها. المساواة المطلقة تُفقد البوصلة وتخلط بين العدو الوجودي والخصم السياسي.

رفض سياسات إيران في سوريا أو العراق لا يعني تبييض صفحة إسرائيل، كما أن رفض الاحتلال الإسرائيلي لا يعني منح إيران شيكًا على بياض، فالمعادلة الصحيحة قائمة على ترتيب الأولويات لا على الانفعال. في هذه المنطقة يبقى الاحتلال هو الخطر الوجودي المستمر، ويبقى إنهاء الاحتلال أولوية تتقدم على بقية الصراعات.

في لحظات الحرب تختلط الروايات ويرتفع الصوت العالي ويغيب التحليل المتزن، لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو فقدان التمييز بين احتلال قائم بالفعل وصراع نفوذ إقليمي مهما بلغ حجمه.

وعليه، تظل إسرائيل العدو الأول بحكم كونها مشروع احتلال قائم على أرض عربية محتلة، وأولوية المواجهة يجب أن تظل موجهة نحو إنهاء هذا الاحتلال، وأي طرف يواجه هذا المشروع لا يمكن مساواته به أخلاقيًا أو سياسيًا مع بقاء حق النقد والمحاسبة قائمًا في كل الملفات الأخرى، فالبوصلة لا يجب أن تضيع لأن التمييز بين طبيعة الصراعات ليس ترفًا فكريًا بل شرطًا أساسيًا لأي موقف سياسي مسؤول.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى