مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب: هل يجيز القانون الدولي لإيران قصف القواعد الأمريكية في السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين؟

في أوقات التصعيد والتجاذبات والاصطفافات، يعلو الخطاب السياسي وتخفت لغة القانون. غير أن مشروعية الأفعال العسكرية لا تُقاس بحجم الغضب ولا بحدة الاستقطاب، بل بمدى اتساقها مع القواعد الآمرة في النظام الدولي. والسؤال الجوهري هنا واضح: هل يتيح القانون الدولي لإيران، استناداً إلى حق الدفاع عن النفس، أن تستهدف قواعد أمريكية متمركزة في دول خليجية؟ وهل تتحمل هذه الدول مسؤولية قانونية لمجرد استضافتها قوات أجنبية؟

النقطة المنهجية الأولى تنطلق من ميثاق الأمم المتحدة، حيث تحظر المادة 2/4 استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي. هذا الحظر هو الأصل، وأي لجوء إلى القوة يظل استثناءً ضيقاً. المادة 51 من الميثاق تقر “الحق الطبيعي في الدفاع عن النفس إذا وقع هجوم مسلح”، لكنها لا تمنح تفويضاً مفتوحاً، بل تقيده بشرطين راسخين في الفقه والقضاء الدوليين: الضرورة والتناسب.

بمعنى أدق، لا يكفي وجود خصومة أو توتر أو حتى تهديد محتمل. يجب أن يكون هناك هجوم مسلح فعلي، وأن يكون الرد هو الوسيلة الوحيدة المتاحة لدفعه، وألا يتجاوز في نطاقه إزالة الخطر. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في أحكامها، ومنها قضية “الأنشطة العسكرية في نيكاراغوا” وقضية “منصات النفط”، أن الدفاع الشرعي لا يقوم على الافتراضات، بل على وقائع مثبتة تُظهر أن الهجوم وقع فعلاً وأن الرد كان ضرورياً ومتناسباً، وهذه الحالة سقطت حيث ان عملية الأمس بالكامل لم تخرج من قواعد الولايات المتحدة الأمريكية على الإطلاق اي رصاصة او اي مشاركة بالمطلق.

وإذا كان الواقع – كما أعلنت دول الخليج صراحة – أن أراضيها أو أجواءها لم تُستخدم لشن هجمات على إيران، فإن شرط الضرورة ينهار من أساسه. فلا يمكن توسيع مفهوم الدفاع عن النفس ليشمل ضرب قواعد لم تُستخدم في الاعتداء المزعوم. فالقانون الدولي لا يجيز “الدفاع الوقائي” المبني على الاحتمالات، بل يقصر الاستثناء على رد فعل مباشر لعدوان قائم.

الإشكالية الثانية تتعلق بمسؤولية الدولة المضيفة. هل تصبح السعودية أو الإمارات أو قطر أو الكويت أو البحرين طرفاً في النزاع لمجرد وجود قواعد أمريكية على أراضيها؟ الإجابة القانونية أكثر دقة من الخطاب السياسي. وجود قوات أجنبية بموجب اتفاقيات ثنائية لا يرتب مسؤولية تلقائية عن كل ما يصدر عنها. المسؤولية الدولية لا تقوم إلا إذا ثبت أن الدولة المضيفة شاركت فعلياً في العمل العدائي، أو وافقت عليه، أو أسهمت فيه بصورة جوهرية. أما الاستضافة المجردة، من دون مشاركة أو سماح باستخدام الإقليم لشن هجوم، فلا تكفي قانوناً لاعتبار الدولة طرفاً في النزاع.

بعض الآراء الفقهية تطرح معيار “غير قادرة أو غير راغبة” لتبرير استخدام القوة داخل إقليم دولة ثالثة. غير أن هذا المعيار يظل محل خلاف واسع، ولم تتبنَّه المحكمة الدولية صراحة، ما يجعله أساساً قانونياً هشاً لا يصلح لتبرير عمليات عسكرية عابرة للحدود تمس سيادة دول مستقلة.

ثم إن مشروعية الهدف العسكري – على فرض ثبوتها – لا تعفي من الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني. فالهجمات يجب أن تميز بدقة بين الأهداف العسكرية والمدنيين، وأن تتجنب الآثار العشوائية أو غير المتناسبة. إطلاق صواريخ تعبر أجواء دول أخرى أو تعرّض سكانها لمخاطر جسيمة يثير مسؤولية قانونية مستقلة، لأن السيادة الجوية جزء لا يتجزأ من الإقليم الوطني، ولا يجوز تحويلها إلى ممر نار بحجة استهداف طرف ثالث.

وفي الختام أن حق الدفاع عن النفس ليس مظلة واسعة لتصفية الحسابات العسكرية خارج الحدود، بل استثناء محدود بضوابط صارمة. وإذا لم يثبت وقوع هجوم مسلح انطلق من أراضي الدول الخليجية، ولم يثبت تورطها أو سماحها باستخدام إقليمها في الاعتداء، فإن استهدافها أو استهداف منشآت داخلها يثير شبهة انتهاك واضح لحظر استخدام القوة ولمبدأ سيادة الدول.

في القانون الدولي، لا تحسم المشروعية بالشعارات ولا بالاصطفافات، بل بالوقائع الموثقة والمعايير الدقيقة. وما لم تتوافر شروط الضرورة والتناسب والتورط الفعلي، يبقى اللجوء إلى القوة خارج هذه الحدود خروجاً على القاعدة، لا تطبيقاً للاستثناء.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى