الدكتور أيمن نور يكتب: منّاعة الحقيقية… التي أعرفها

لم تبدأ الحكاية في زنزانةٍ باردة، ولا في سطرٍ بمحضر ضبط، ولا في ملفٍ ثقيلٍ استقرّ يومًا فوق مكتبٍي للمحاماة. الحكاية بدأت في الشارع… حين قررت المدينة أن تضيء اسمًا قبل أن يخرج صاحبه إلى الضوء.
ذات صباحٍ من منتصف التسعينيات، وجدت شوارع دائرتي الانتخابية وقد اكتست بثوبٍ من نورٍ كثيف. لم يكن رمضان، ولا موسم أعياد، ولا ليلة زفافٍ معروفة. ومع ذلك، كانت الزينات تتدلّى من الشرفات، وتتشابك فوق الرؤوس، كأنها شبكة نجومٍ سقطت فوق الأرض.
في شياخة البنهاوي، والصوابي، وامتداد الطريق نحو باب الفتوح، وحتى درب السماكين، حيث كانت تقوم مستشفى “نور” المجاني التي أُسست في مطلع التسعينيات لخدمة أبناء المنطقة… كان الضوء يزداد، ويتكاثر، ويتمدّد.
ظننتها في البدء أفراحًا متفرقة. غير أن الأيام مضت، والزينات لم تُنزَع، بل تضاعفت. بدا المشهد كما لو أن الحيّ كله يستعد لاستقبال شخصيةٍ لا تُستقبل كل يوم.
اقترب مني بعض أنصاري، وسألني أحدهم بحماسٍ طفولي:
هل ستزور الحاجّة مناعة؟
أجبته بعفوية: ولم لا؟
تصورت أن الحديث عن سيدةٍ عادت من حج، أو كبيرة عائلة لها مقامها بين الناس.
جاءت المفاجأة ثقيلة حين عرفت أن الاسم المقصود هو نبويه عبدالتواب، الشهيرة بـمناعة. عشر سنواتٍ كاملة قضتها خلف الأسوار، وستخرج خلال ساعات. لم يكن الأمر عودة حاجةٍ من بيت الله… بل عودة أسطورةٍ من السجن.
شهرتها كانت تسبقها كما تسبق العاصفة غبارها. اسمها يتردّد في الحكايات الشعبية كما لو كان فصلًا من أساطيرٍ قديمة. بعض من عرفوا البدايات قالوا إنها غادرت الدرب الأحمر مبكرًا، واستقرت في محيط باب الفتوح وضرب السماكين. قيل إنها “إمبراطورة الحشيش” في مصر خلال الثمانينات والتسعينات، وقيل إن الخير الذي كان يصل إلى بيوتٍ كثيرة في باب الشعرية والجمالية كان يمر عبر يدها.
لم أذهب لزيارتها. خطوة كهذه كانت ستُقرأ بأكثر من تفسير. غير أن المفاجأة جاءتني إلى مكتبي. كان مقري آنذاك في 166 شارع الجيش، جوار قسم شرطة باب الشعرية. دخلت عليّ امرأة في منتصف الخمسينيات، هادئة، بسيطة، متواضعة إلى حدٍ يكسر الصورة المرسومة في الذهن. لم أرَ أسطورة تمشي، بل إنسانة تعرف كيف تضبط إيقاع حضورها.
قالت بابتسامةٍ مقتصدة:
“بلغني أنك كنت ستزورني… وقيمتك تحمّلني أن أبدأ أنا بالزيارة.”
جملة قصيرة، لكنها كانت كافية لتكشف معدنًا لا يشبه ما يُقال في الحكايات.
رافقها عدد من كبار أبناء المنطقة، ومن بينهم – كما أذكر – رجل الأعمال وصاحب المطابع صابر عيسى، الذي كان يستعد لخوض انتخابات الجمالية، قبل أن يرحل فجأةً قبيل المعركة. كثرت حول وفاته الأقاويل، كما كثرت حول علاقته بالحاجّة منّاعة، لكن الحقيقة بقيت غائمة، كما هي حال كل ما يحيط بالأساطير.
لم تتكرر اللقاءات كثيرًا. رأيتها مرة أخرى في ندوة بمدرسة التوفيق القبطية، وكان مديرها آنذاك الأستاذ جورج اسحاق. حضر الندوة عدد من الخبراء والفنانين، من بينهم نور الشريف وعبير صبري. كانت الندوة عن مكافحة الإدمان. والمفارقة أن مناعة دخلت القاعة وجلست بين الصفوف في صمت، تستمع، وكأنها تحضر جلسة حسابٍ خاصة.
تذكرت تلك اللحظات وأنا أتابع مسلسل “مناعة” في رمضان 2026. اقتربت الدراما أحيانًا من الحقيقة، ثم ابتعدت عنها حين غلب الخيال على الوقائع. بين الشاشة والشارع مسافةٌ لا يدركها إلا من عاش التفاصيل.
الروايات الشعبية حولها لا تُحصى. حكاية التمثال الذهبي الذي قيل إنها أرسلته لرئيس الجمهورية. قصة الضابط الذي تحدّته بعبارة: “أصنع لك تمثالًا من ذهب إن وجدت شيئًا يدينني.” قد تكون تلك الحكايات مبالغة حيٍّ يعشق الأسطورة، أو تخريجًا شعبيًا لمشهد تفتيشٍ عابر.
ما بدا لي – بعيدًا عن الضجيج – أن المرأة التي دخلت السجن متلبسة بقطعة صغيرة من الحشيش، خرجت بعد عشر سنوات ولم تعد إلى ذلك الطريق. حياتها انحصرت في بناتها وحفيدتها، وفي مساعدات اجتماعية اعتادت تقديمها قبل السجن وبعده، كما كان يروي أهل الحي.
لقاءات قليلة لا تمنح حق إصدار الأحكام. لا زمن النشاط واضح تمامًا، ولا زمن السجن مكشوف بالكامل، ولا ما بعد التوبة خالٍ من الظلال. لكن الانطباع الأول لا يُكذَّب بسهولة.
منذ اللحظة الأولى أدركت أنني أمام امرأةٍ فائقة الذكاء، تقرأ الوجوه كما تُقرأ الكتب المفتوحة، وتمزج بين أخلاق “أولاد البلد” وخبرة الحياة والشارع. ذلك المزيج الذي يصنع شخصياتٍ يصعب تصنيفها بين الأبيض والأسود.
المدن حين تعجز عن فهم تحوّلات أبنائها، تصنع لهم أساطير. وبين الأسطورة والإنسانة مسافة لا يقطعها إلا من جلس وجهًا لوجه، واستمع دون أحكامٍ مسبقة.
ربما كانت مناعة أكبر من أن تُختصر في قضية، وأصغر من أن تتحول إلى ملحمة. امرأة عاشت زمنًا مضطربًا، صعدت وسقطت، ثم اختارت ظل البيت بعد ضجيج الضوء.
ما بين الشوارع التي أُغرقت بالزينات يوم خروجها، والصمت الذي التفّ حولها بعد سنوات، بقيت في ذاكرتي صورة واحدة:
امرأة تجلس بهدوء، وتنطق ببساطة الواثقين…
“القيمة تفرض أن أبدأ أنا.”








