مقالات وآراء

د.حسام بدراوي يكتب: حين يسقط “برقع الخشا”

في كل مرحلة من تاريخ البشرية، كان هناك سؤال صامت يتكرر: هل تتعلم الأمم من مآسيها، أم تعيد إنتاجها بأدوات أكثر تطورًا؟

الإنسان الحديث يمتلك من المعرفة ما لم يمتلكه أسلافه، ومن القدرة على التواصل ما كان يُعد ضربًا من الخيال، ومن وسائل الردع ما يكفي لردع الكوكب بأسره. ومع ذلك، ما زال الصراع هو اللغة الأسرع حضورًا، وما زالت القوة تُختبر في ميادين النار لا في ميادين الحكمة.

الفلسفة السياسية الحديثة قامت على فكرة أن الدولة الرشيدة تفصل بين الإيمان والسيادة، بين العقيدة والمصلحة، بين المقدس والقرار العام. كان يُظن أن البشرية—بعد قرون من الحروب الدينية والإمبراطوريات المتصارعة— قد أدركت أن مزج المطلق بالسياسة يُنتج صراعات بلا نهاية.

لكن التاريخ لا يسير دائمًا في خط مستقيم. أحيانًا يعود في دوائر، ويختبرنا من جديد:

هل أصبحنا أكثر عقلانية.. أم أكثر قدرة على تبرير الصراع؟ومن هذا السؤال تنطلق هذه القراءه:

لم تكن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل يومًا سرًا.

لكنها كانت تُدار طويلًا بلغة مزدوجة: دعمٌ استراتيجي من جهة، ومسافةٌ سياسية محسوبة من جهة أخرى.

في حرب أكتوبر 1973، كان الدعم الأمريكي حاسمًا في إعادة تسليح إسرائيل عبر الجسر الجوي الشهير. كانت المعدات تهبط، والرسائل تمر، لكن المشهد ظل في إطار “الدعم” لا “الاشتراك المباشر”. كان هناك حرص على إبقاء ستارٍ ما—ولو رقيقًا—يفصل بين القرار الإسرائيلي والقرار الأمريكي.

اليوم يبدو أن ذلك الستار قد سقط. لسنا أمام دعم خلفي أو غطاء دبلوماسي فقط، بل أمام اصطفاف مُعلن، وخطاب سياسي متطابق، وانخراط مباشر يجعل الحرب أقرب إلى أن تُرى كمعركة مشتركة لا كحرب دولة تدعمها أخرى.

هذا التحول ليس تفصيلاً تقنيًا. إنه تحوّل في الفلسفة السياسية.

من التحالف إلى التماهي:

التحالف بين الدول أمر طبيعي في السياسة الدولية.

لكن التماهي الكامل- حيث تتداخل الأهداف والسرديات إلى حد يصعب معه الفصل- يطرح سؤالًا مشروعًا: أين تنتهي مصلحة دولة كبرى بحجم الولايات المتحدة، وأين تبدأ أولويات دولة إقليمية كإسرائيل؟

حين تُخاض حرب لا تمس الأراضي الأمريكية مباشرة، ولا تمثل تهديدًا وجوديًا للاقتصاد الأمريكي، ولا تشكل خطرًا عسكريًا على الداخل الأمريكي، يصبح من حق المواطن الأمريكي أن يسأل:

لماذا نمول هذا الصراع؟

وما العائد الاستراتيجي المباشر علينا؟

الدول لا تُدار بالعاطفة، بل بالمصلحة. فإذا بدا أن المصلحة غير واضحة، يبدأ القلق داخل المجتمع نفسه.

البعد الأخطر هو عودة الدين إلى ساحة الحرب.

الأخطر من الحسابات الجيوسياسية هو اللغة التي تتسلل إلى بعض الخطابات:

لغة الأرض الموعودة، الصراع المقدس، الاصطفاف الحضاري.

حين تُغلف السياسة بمرجعيات دينية، يتحول الصراع من نزاع حدودي أو أمني إلى صراع وجودي.

وهنا يصبح الحل السياسي أصعب، لأن الصراع لم يعد حول المصالح بل حول “الحق الإلهي”.

البشرية دفعت ثمنًا باهظًا عبر قرون من الحروب الدينية.

وكان يُظن أن الدولة الحديثة قد فصلت بين العقيدة والسيادة، بين الإيمان والسياسة.

إعادة خلط الأوراق في هذا المجال تنذر بانزلاق خطير، ليس على الشرق الأوسط وحده، بل على النظام الدولي برمته.

إننا أمام إعادة تشكيل للنظام الدولي.

الاصطفاف الأمريكي– الإسرائيلي المُعلن بهذا الشكل يعمّق الاستقطاب العالمي.

قوى كبرى أخرى تراقب، وتعيد حساباتها، وتبني تحالفات مضادة.

العالم لا يتحمل حربًا إقليمية ممتدة تتحول إلى مواجهة كتل دولية.

ومع كل تصعيد، تتراجع فرص الدبلوماسية، وتتقدم لغة القوة.

سؤالي أخلاقي قبل أن يكون سياسيًا، في عصر يمتلك فيه الإنسان:

  • قدرات علمية هائلة،
  • أدوات اتصال غير مسبوقة،
  • ثروات تكنولوجية يمكن أن تُنهي الفقر في مناطق واسعة من العالم
    يُطرح السؤال المؤلم: لماذا تُستخدم هذه الإمكانات في القتل لا البناء؟
    في السيطرة لا الشراكة؟

في توسيع الصراع لا تقليصه؟

القضية هنا، هي الخوف من أن تتحول القوة غير المتوازنة إلى منطق حكم عالمي.

القلق المشروع:

القلق ليس من شعب، ولا من دين، ولا من هوية.

القلق من أي أيديولوجيا— أياً كان مصدرها— حين تُمسك بمفاصل القرار في قوة عظمى، وتدفع نحو منطق تصادمي طويل المدى.

التاريخ يعلمنا أن التماهي الأعمي بين قوة عظمى ورؤية أيديولوجية ضيقة يُفضي غالبًا إلى استنزاف، ثم تصحيح قاسٍ.

الخلاصة أن ما يحدث اليوم ليس مجرد دعم عسكري. إنه إعلان اصطفاف بلا مواربة.

سقوط “برقع الخشا” (كما تعبر العامية المصرية) يفرض أسئلة صريحة:

  • هل تخدم هذه الحروب الاستقرار العالمي؟
  • هل تعزز أمن الولايات المتحدة أم تستنزفه؟
  • هل تقود إلى سلام طويل أم إلى دورة تطرف ديني وسياسي أوسع؟
    العالم يحتاج إلى عقلانية باردة، لا إلى حماسة عقائدية.

ويحتاج إلى شجاعة سياسية تقول إن القوة الحقيقية ليست في خوض الحروب، بل في منعها.

في الختام تقول الحكمةً أن القوة في ذاتها ليست خطيئة، والتحالفات ليست عيبًا ، والمصالح جزء طبيعي من حركة الدول.

لكن الخطر يبدأ حين تختلط القوة باليقين المطلق، وحين يُختزل العالم في معادلة صديق وعدو،وكافر ومؤمن ، وحين يُقنع صانع القرار نفسه أن التاريخ يقف إلى جانبه وحده.

لقد أثبت التاريخ مرارًا أن الحروب التي تبدأ باعتقاد التفوق الأخلاقي أو الديني أو الحضاري، تنتهي غالبًا بإرهاق الجميع.

العالم اليوم لا يحتاج إلى تحالفات تُعمّق الانقسام، بل إلى قيادات تدرك أن أعظم انتصار ليس في كسب معركة، بل في منع حرب.

وفي زمنٍ يستطيع فيه الإنسان أن يطعم الجائع، ويعالج المريض، ويُعلم الطفل بضغطة زر، يظل السؤال الأخلاقي معلقًا فوق رؤوسنا جميعًا:

هل سنستخدم ما بلغناه من قوة لنحمي الحياة.. أم لنثبت أننا نستطيع إنهاءها؟

التاريخ لا يحكم فورًا، لكنه لا ينسى. والحكمة الحقيقية ليست في أن نملك القوة، بل في أن نعرف متى لا نستخدمها.

الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب جديدة ليُعاد تعريفه، بل إلى رؤية حضارية تُخرجه من أسر الجغرافيا الصدامية إلى أفق الجغرافيا الإنسانية. هذه المنطقة التي أنجبت الرسالات، وأسست أولى المدن، وعلّمت العالم معنى القانون والروح معًا، ليست قدرًا محتومًا للصراع. قدرها الحقيقي أن تكون جسرًا لا ساحة معركة، ومختبرًا للتعايش لا ميدانًا لإثبات الهيمنة.

إن استمرار منطق التفوق الديني أو الاصطفاف الحضاري لن يُنتج إلا أجيالًا أكثر تطرفًا وأقل ثقة في المستقبل.

أما التحول نحو شراكة إقليمية قائمة على التنمية والاعتراف المتبادل واحترام سيادة الدول،وحق الشعوب ، فهو وحده القادر على كسر الحلقة التاريخية للعنف.

مستقبل الشرق الأوسط لن يُبنى بخرائط القوة، بل بخرائط المصالح المشتركة؛ لن يُصنع بحدود النار، بل بحدود التعاون. والسؤال ليس من يربح الجولة، بل هل تستطيع المنطقة أن تربح قرنها القادم.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى