حزب غد الثورةشباك نورمقالات وآراء

غد الثورة يصدر بيانًا عن رؤيته الاقتصادية: الاطمئنان العسكري لا يكفي… والاقتصاد في قلب العاصفة

الاطمئنان إلى أن مصر ليست ساحة مباشرة للصراع العسكري الدائر في الإقليم أمرٌ مفهوم، فالجغرافيا تحمي الحدود من القذائف، لكن الاقتصاد لا تحميه الخرائط وحدها. الأسواق تتحرك بالخوف قبل أن تتحرك بالدبابات، ورؤوس الأموال تهرب من الشك قبل أن تهرب من النار، ومصر – بحكم موقعها وارتباطها العضوي بالتجارة والطاقة والتمويل – ليست خارج المعركة الاقتصادية، بل في صميمها.


الاقتصاد المصري يمر منذ سنوات بحالة هشاشة مركبة: دين خارجي يتجاوز حدود الأمان، عجز مزمن في الحساب الجاري، اعتماد مرتفع على تدفقات ساخنة، وتراجع نسبي في الإيرادات الدولارية المستقرة. أي توتر إقليمي يعني فورًا ضغطًا على قناة السويس، وكلفة إضافية لاستيراد الطاقة، وارتفاعًا في أقساط التأمين على الشحن، وتذبذبًا في استثمارات المحافظ الأجنبية.


بيانات الأسواق خلال الأيام الماضية أظهرت حساسية شديدة تجاه التصعيد؛ ارتفاع تكاليف الشحن، صعود أسعار النفط، وتراجع شهية المخاطرة في الأسواق الناشئة. مصر – التي تعتمد على استيراد نسبة معتبرة من احتياجاتها البترولية والسلعية – ستتحمل عبئًا مزدوجًا: فاتورة واردات أعلى، وإيرادات أكثر هشاشة.
قناة السويس، التي تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، ليست بمنأى عن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وشرق المتوسط. أي تحوّل لمسارات السفن أو ارتفاع في تكاليف التأمين سينعكس مباشرة على الإيرادات، في وقت تحتاج فيه الدولة لكل دولار لتغطية استحقاقات الدين وتمويل الواردات الأساسية.
سعر الصرف بدوره يتأثر بمناخ عدم اليقين. كل موجة توتر خارجي تُعيد إلى الواجهة سؤال الثقة: هل يملك الاقتصاد احتياطيًا كافيًا للصمود؟ وهل الإصلاحات الهيكلية تسير بالسرعة المطلوبة؟ أم أننا لا نزال نعتمد على المسكنات التمويلية قصيرة الأجل؟
التضخم الذي أنهك الطبقات الوسطى والفقيرة خلال العامين الماضيين قد يجد في الأزمة الإقليمية ذريعة جديدة للارتفاع، خاصة إذا ارتفعت أسعار الطاقة والنقل والغذاء عالميًا. المواطن البسيط لا يعنيه موقع مصر من الصراع بقدر ما يعنيه سعر الخبز، وكلفة الدواء، وفاتورة الكهرباء.
لذلك فإن خطاب الاطمئنان يجب أن يكون اقتصاديًا بقدر ما هو أمني. المطلوب ليس تهوين المخاطر، بل إدارتها بشفافية. الاقتصاد لا يدار بالشعارات، بل بالأرقام والإفصاح والثقة المؤسسية.

رؤيتنا الاقتصادية تؤكد أن المرحلة الراهنة تتطلب حزمة إجراءات عاجلة:
إعلان خطة طوارئ مالية واضحة تتضمن أولويات الإنفاق وإعادة ترتيب بنود الموازنة.
تسريع برنامج إحلال الواردات ودعم الصناعة الوطنية لتقليل الضغط على العملة الصعبة.
وقف أي توسع غير ضروري في الاقتراض الخارجي قصير الأجل.
تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية الموجهة بدقة للفئات الأكثر تضررًا من التضخم.
إطلاق حوار اقتصادي وطني حقيقي مع خبراء مستقلين والقطاع الخاص لوضع سيناريوهات مواجهة متعددة.

المادة 27 من الدستور المصري تُلزم النظام الاقتصادي بتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة ورفع معدلات النمو الحقيقي وتحسين مستوى المعيشة. هذه ليست نصوصًا إنشائية، بل التزامات دستورية تُختبر في أوقات الأزمات قبل الرخاء.
مصر تملك من المقومات البشرية والجغرافية ما يؤهلها لعبور العواصف، لكن العبور يتطلب إدارة رشيدة، وشفافية كاملة، وتغليبًا لمصلحة الاقتصاد الوطني على أي اعتبارات دعائية أو مؤقتة.
الاطمئنان الحقيقي لا يصنعه البعد الجغرافي عن ساحة الحرب، بل تصنعه قوة الاقتصاد وصلابة مؤسساته وقدرته على امتصاص الصدمات. وما لم تتحول التحديات الراهنة إلى فرصة لإصلاح جذري حقيقي، فإن كل عاصفة إقليمية ستعيدنا إلى نقطة القلق ذاتها.

رئيس الحزب
د. أيمن نور

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى