الدكتور أيمن نور يكتب: اطمئنوا “عسكرياً” … نعم

لكن طمنونا عن”اقتصادٌ”تحت القصف
قال الرئيس عبدالفتاح السيسي للمصريين: «اطمئنوا»، والاطمئنان من زاويةٍ عسكريةٍ مباشرة يبدو منطقيًا؛ فمصر ليست ساحة اشتباك،مباشر،لانها لا تقع في مرمى المعركة الدائرة الان.
القلق الحقيقي لا يأتي من صاروخٍ قد لا يمرّ فوق سمائنا – لا قدر الله – بل الخوف الحقيقي من فاتورةٍ تتضاعف علي موانئنا، ومن سعر نفطٍ يقفز مع كل خبر، ليجلس على كتف المواطن .
الاقتصاد المصري الهشّ لا يقف خارج دائرة الحرب، لأنه مرتبط بشرايينها:
ممرات الملاحة،
أسعار الطاقة،
حركة الاستثمار،
وكلفة التمويل،
وثقة السوق.
تلك هي ساحات القتال التي لا تُرى بالعين، لكنها تُرى في الأسعار، وفي الدولار، وفي التضخم، وفي القروض.
دليل ذلك يبدأ من قناة السويس؛ القناة لا تُصاب بقذيفة، لكنها تُصاب بالخوف. ارتفاع المخاطر في البحرالأحمر يكفي كي تعيد شركات الشحن حساباتها، وتطلب علاوات تأمين أكبر، وتختبر طريقًا أطول ولو كان أغلى، فقط لأنها تريد “طمأنينة” من نوع آخر.
تجربة الأعوام الأخيرة قالت بوضوح إن قرار التحويل بعيدًا عن القناة قد يحدث سريعًا عندما تتصاعد المخاطر، بينما قرار العودة يتأخر حتى بعد هدوء العناوين؛ شركات التأمين لا تتعامل بمنطق “الخبر العاجل”، بل بمنطق “الاستقرار المستدام”، والبحر لا يمنح شهادة الاستدامة بسهولة.
تراجع المرور في القناة لا يعني رقمًا في دفتر إيرادات فقط؛ التراجع يعني ضغطًا على الموارد الدولارية، وزيادة حساسية السوق تجاه سعر الصرف، وارتفاع تكلفة تمويل الواردات، وتآكل هامش الأمان في ميزان المدفوعات.
باب القلق الثاني يحمل اسم الطاقة؛ ارتفاع النفط عالميًا لا يطرق باب مصر بصفته خبرًا خارجيًا، بل يدخل من نافذة الموازنة. كلفة الاستيراد ترتفع، وكلفة النقل ترتفع، وكلفة الكهرباء والإنتاج ترتفع، ثم تتسرب الزيادة إلى السلع الأساسية حتى لو لم تُعلن الحكومة ذلك.
الموازنة تُكتب على تقديرات سعرية، ثم تأتي الجغرافيا لتكسر التقدير. فارق بسيط في سعر البرميل، قد يتحول إلى مليارات إضافية على فاتورة الدولة، ومعه يتسع العجز أو تضيق مساحات الإنفاق التنموي، ويظهر سؤال قديم بثوب جديد: من سيدفع الفارق؟
التضخم لا يحتاج حربًا على الحدود كي يشتعل؛ يكفيه ارتفاع في الشحن والتأمين والطاقة. المواطن لا يقرأ خرائط العمليات، لكنه يقرأ فاتورة السلع، ويشعر أن “الاطمئنان” كلمة جميلة لا تكفي وحدها لتسكين الأسعار.
خدمة الدين تزيد حساسية هذه اللحظة. ارتفاع المخاطر يرفع كلفة التمويل، واتساع علاوة المخاطر على الاقتراض الخارجي يضغط على الدولة، وتوتر الأسواق يجعل كل استحقاق أقرب إلى اختبار ثقة لا مجرد موعد سداد.
البحر الأحمر يفرض على مصر خيارات أمنية ودبلوماسية متزامنة. تأمين الممر ليس رفاهية، وتعزيز التنسيق مع الدول المشاطئة ليس بروتوكولًا، وإدارة الرسائل السياسية ليست تجميلًا لغويًا؛ أي خطأ في هذه الحزمة قد يحوّل مصر من طرف “مطمئن” إلى طرف “مدفوع الثمن”.
اليمن والحوثيون جزء من هذا المشهد مهما بدا بعيدًا؛ البحر الأحمر ساحة ضغط قابلة للتشغيل، وتهديد الملاحة يساوي تهديد القناة، وتهديد القناة يساوي تهديدًا مباشرًا لمورد سيادي من موارد العملة الصعبة.
ملف غزة يبقى صمام أمان داخلي وإقليمي في آن واحد. اتساع الحرب يضاعف الضغوط الإنسانية والأمنية، ويجعل الوساطة المصرية أكثر تعقيدًا، لكنه يمنح القاهرة أيضًا مساحة فعلٍ إن أحسنت إدارة المسافة بين الأطراف دون انجرارٍ .
السوق الدولية لا تفصل بين السياسة والاقتصاد؛ المستثمر يهرب من القلق قبل أن يهرب من الخسارة. أي اتساع للمواجهة يعيد تسعير المخاطر في المنطقة كلها، ويجعل جذب الاستثمار أصعب، ويجعل التمويل أغلى، ويجعل التوقعات أكثر عصبية.
بناءً على ذلك، يصبح مضمون الجملة الرئاسية بحاجة إلى تتمة اقتصادية صريحة: الاطمئنان العسكري لا يكتمل دون خطة وحزمه طمأنة مالية.
حماية القناة، وتحصين الموازنة ضد صدمات النفط، وإدارة الدين بعقل استدامة، وتوسيع مصادر الدولار، ليست عناوين تقنية؛ هي شروط بقاء اجتماعي قبل أن تكون شروط توازن مالي.
الاطمئنان الحقيقي لا يصدر بعبارةٍ واحدة، بل بسياساتٍ واضحة تُقنع الناس أن الدولة ترى الخطر الاقتصادي كما ترى الخطر الأمني، وأنها تملك خطة لصدّ موجات الأسواق كما تملك خطة لحماية الحدود.
كلمة «اطمئنوا» تُطمئن القلب لحظة، ثم يسأل الجيب في اليوم التالي:
وماذا عن الأسعار؟
وماذا عن الدولار؟
وماذا عن القناة؟
وماذا عن الدين؟
الإجابة التي تنتظرها الناس لا تحتاج خطابًا أطول، بل تحتاج اقتصادًا أصلب.






