مقالات وآراء

محمد عماد صابر يكتب: إيران بين نار التفوق ونَفَس الاستنزاف!!

“قراءة في قدرة الصمود وحدود الاحتمال”


في لحظات الحروب الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بعدد الطائرات وحدها، ولا تُحسم المعارك دائمًا بضربة خاطفة. فهناك نوع آخر من الصراع، أبطأ إيقاعًا وأطول نفسًا، تُختبر فيه الإرادات قبل الأسلحة، وتُستنزف فيه الأعصاب قبل الجيوش. وفي هذا النوع تحديدًا تُطرح إيران بوصفها لاعبًا يعرف كيف يطيل المواجهة حتى حين لا يملك تفوقًا تقليديًا حاسمًا.


فمن الناحية العسكرية البحتة، يصعب القول إن طهران قادرة على مجاراة التفوق الجوي والتكنولوجي الأمريكي-الإسرائيلي في حرب تقليدية مفتوحة. ميزان السماء ليس في صالحها، والضربات الدقيقة تبقى نقطة ضعف مؤلمة. ومع ذلك، فإن قراءة المشهد بهذه البساطة تُفوّت جانبًا مهمًا من الصورة.


فإيران، عبر سنوات طويلة من العزلة والعقوبات، صاغت عقيدة مختلفة: كيف تصمد حين لا تستطيع الحسم. ولهذا راكمت ترسانة صاروخية ومسيرات تمنحها القدرة على الضرب المتكرر، لا بهدف الانتصار السريع، بل بهدف إبقاء الخصم في حالة استنزاف دائم، ورفع كلفة المواجهة يومًا بعد يوم.
إلى جانب ذلك، تستند طهران إلى شبكة نفوذ إقليمي واسعة، تشمل قوى حليفة أبرزها حزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن، فضلًا عن فصائل مسلحة في العراق. هذه الشبكة تمنحها ميزة فتح جبهات متعددة دون الانخراط المباشر بكامل ثقلها، وهو أسلوب أثبت فعاليته في حروب الاستنزاف.
ولا يمكن إغفال عامل الجغرافيا. فإيران ليست ساحة صغيرة سهلة الاختراق، بل دولة واسعة، منشآتها موزعة وعمقها الاستراتيجي كبير، ما يجعل فكرة الحسم السريع ضدها أقرب إلى الرغبة منها إلى الواقع.


الصمود العسكري لا يعني مناعة شاملة، ومن ثم تجدر الإشارة الي ان نقطة الضعف الأكثر حساسية تكمن في الاقتصاد. فالعقوبات الطويلة أنهكت العملة، وضغطت على الموازنة، وجعلت تمويل حرب ممتدة مهمة شاقة.
لكن على الرغم من ان اقتصادٌ إيران يئن تحت الضغط… غير أن المفارقة أن إيران طورت عبر السنوات قدرة خاصة على التكيّف مع اقتصاد العقوبات. فهي ليست دولة تدخل فجأة في ظروف حصار، بل نظام اعتاد العمل تحت الضغط، ما يمنحها هامش تحمّل أطول من دول لم تختبر هذا النوع من القيود.


السيناريو الأرجح أن يبدأ الضغط الاقتصادي بالظهور بوضوح خلال أشهر، ويشتد إذا طال أمد المواجهة نحو سنة أو أكثر، خصوصًا إذا ترافق مع ضربات مؤلمة للبنية التحتية.


وبنظرة فاحصة الي الداخل بين التماسك والتآكل سياسيًا واجتماعيًا، نجد ان الصورة مركبة. فالخبرة التاريخية تشير إلى أن الضربات الخارجية غالبًا ما تُحدث التفافًا وطنيًا مؤقتًا حول القيادة، وهو ما يمنح طهران دفعة صمود في المدى القصير.
لكن الزمن عامل قاسٍ. فإذا امتدت الحرب وتدهور الوضع المعيشي، قد يبدأ التماسك بالتآكل تدريجيًا. ليست المسألة انهيارًا سريعًا، بل تآكل بطيء يعتمد على شدة النزيف وطول مدته.


ميزان الاحتمال عند جمع الخيوط كلها، يظهر تقدير واقعي أقرب إلى التوازن: في الأسابيع الأولى: تستطيع إيران الصمود بسهولة نسبيًا. وخلال عدة أشهر: تبقى قادرة على الاستمرار مع تصاعد الضغوط لكن. بعد سنة أو أكثر: يصبح العامل الاقتصادي والسياسي أكثر حسمًا. أما في حرب تقليدية مفتوحة طويلة: فالكلفة تصبح ثقيلة جدًا عليها.


خلاصة المشهد الايرانى ان إيران، في ميزان القوة التقليدية، ليست المرشح الأوفر لحسم عسكري سريع. لكنها في المقابل تمتلك ما يكفي من الأدوات والإرادة لتحويل الصراع — إذا طال — إلى حرب تكلفة واستنزاف لا يخرج منها أحد بسهولة.
وبين التفوق العسكري من جهة، والنَّفَس الطويل من جهة أخرى، يبقى السؤال المفتوح في مثل هذه الحروب


 ليس : من يضرب أقوى أولًا؟
بل: من يصمد أطول حين يطول الطريق؟

وفي الاخير يبقى سؤال يطرح علامة استفهام كبيرة حول الموقف الروسي والصيني وهو هل تم تزويد إيران في الفترة الماضية بأسلحة حديثة يمكنها من إيلام الأمريكي واستنزافه والصمود في وجهه وهل روسيا والصين قد نصبتا فخا حتى يغرق الأمريكي في المستنقع الإيراني كما يغرق الان الروسي في أوكرانيا وهل يكون ذلك هو بداية الأفول والتراجع لأمريكا كقوة دولية أولى..
كل هذه الأسئلة ستجيب عنه الأيام القادمة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى