مقالات وآراء

بكير أتاجان يكتب: قراءة في تشابك الصراع الإقليمي

المعادلة في الشرق الأوسط اليوم لا تختزل في مواجهة ثنائية بين إسرائيل وإيران، بل هي شبكة معقدة من المصالح والتقاطعات الدولية والإقليمية، حيث تتداخل الاستراتيجيات العسكرية بالرهانات السياسية والاقتصادية.

بين رفض انتصار إسرائيل ورفض تبرئة طهران

ثمة موقف يتبلور في الشارع العربي يقوم على فكرتين متوازيتين:
   •   عدم الرغبة في رؤية انتصار إسرائيلي كامل يعيد رسم المنطقة وفق الرؤية الأمنية لتل أبيب.
   •   وفي الوقت ذاته، عدم تبرئة النظام الإيراني من دوره في صراعات دامية داخل عدة دول عربية.

فالنظام في طهران متهم بدعم فصائل مسلحة والانخراط في ساحات مثل لبنان وسوريا والعراق، ما ساهم في تعميق الانقسامات المذهبية وإدامة حالة الاستنزاف الإقليمي. لكن في المقابل، هناك قراءة ترى أن إسقاط إيران وفق الرؤية الإسرائيلية ليس خطوة معزولة، بل تتويج لمسار استراتيجي طويل أُعدّ بعناية.

بيئة سمحت بالتمدد

وفق هذا الطرح، لم يكن النفوذ الإيراني ليصل إلى ما هو عليه لولا بيئة دولية وإقليمية سمحت بذلك: صمت عربي، وتوازنات أميركية – إسرائيلية، وصراعات داخلية فتحت فراغات تمددت عبرها طهران. النتيجة كانت إنهاك ساحات عربية عدة، وتكريس انقسام سني – شيعي حاد، يجعل أي مواجهة مباشرة مع إيران تبدو في نظر بعض الشعوب وكأنها “تحرير” من نفوذها، لا مجرد صراع نفوذ.

بهذا المعنى، تُقدَّم إيران كآخر حلقة في سلسلة ساحات مُنهكة. وإذا تحقق إضعاف جذري لها، فسيُسوَّق ذلك داخل إسرائيل كإنجاز تاريخي يعزز موقع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باعتباره مهندس إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

الجغرافيا التي تصنع السياسة

إيران ليست خصمًا أيديولوجيًا فحسب؛ بل عقدة جيوسياسية شديدة الحساسية. موقعها المشرف على مضيق هرمز يمنحها تأثيرًا مباشرًا على إمدادات الطاقة العالمية. وأي تغير جذري في وضعها الداخلي أو الإقليمي سينعكس على أسواق النفط، وعلى اقتصادات كبرى في آسيا وأوروبا.

إضافة إلى ذلك، فإن تموضعها الجغرافي يضعها على تماس مباشر مع الخليج وتركيا، وقريبة من روسيا وأفغانستان وباكستان، ما يجعل أي إعادة تشكيل لدورها الإقليمي مسألة تتجاوز حدودها الوطنية إلى معادلات أوسع.

سوريا وتركيا: عقدة التوازن

تبقى سوريا ساحة مفصلية في أي سيناريو مقبل. فقيام نظام سوري مصطف بالكامل ضمن المحور الغربي سيعيد ضبط موازين القوى، لا سيما في ما يتعلق بدور تركيا ونفوذها الإقليمي.

وفي السياق التركي، تُستحضر محطة محاولة الانقلاب عام 2016 بوصفها لحظة فارقة أعادت صياغة تموضع أنقرة، ودفعتها نحو سياسة خارجية أكثر استقلالية وحدّة. هذا التحول عقد حسابات خصومها، وأدخلها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص سوريا أو شرق المتوسط.

تُطرح اليوم فرضيات عن ضغوط قد تتجه نحو الداخل التركي حتى عام 2028، عبر أدوات سياسية واقتصادية وأمنية. غير أن أنقرة، وفق هذا التصور، تمتلك أوراق قوة عسكرية واقتصادية وجيوسياسية تتيح لها المناورة والرد في أكثر من ساحة.

حرب استنزاف أم تسوية مؤجلة؟

في ما يخص المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية، يبدو سيناريو حرب الاستنزاف الطويلة أكثر ترجيحًا من الحسم السريع. الرهان على تفكك داخلي إيراني عقب ضربات نوعية قد لا يتحقق بالسرعة المتوقعة، ما يفتح الباب أمام جولات تصعيد متبادل، وربما تحريك أذرع إقليمية في لبنان والعراق وساحات أخرى.

ومع ارتفاع كلفة المواجهة، قد تجد الأطراف نفسها مضطرة إلى مفاوضات غير مباشرة لاحتواء الانفجار. هنا قد تبرز قوى إقليمية – وفي مقدمتها تركيا – كوسيط محتمل أو كصمام أمان يمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

خلاصة المشهد

المشهد ليس أبيض أو أسود. لا هو صراع خير وشر، ولا مواجهة بسيطة بين محورين واضحين. إنه صراع طبقات من المصالح والتحالفات والأجهزة الاستخباراتية، حيث تُدار المعارك بحسابات باردة، وتُرسم الخرائط ببطء.

في هذه المنطقة، لا أحد يدخل المعركة بلا حساب، ولا أحد يخرج منها كما دخل

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى