
لم يعد لدينا أدنى شك في أن الحرب التي يقول النتن ياهو إنه كان يحلم بها منذ أربعين عامًا وقد تحقق حلمه بها أخيرًا، بعد أن ساق إليها #الولايات_المتحدة نفسها، حين قبل #ترامب الراغب في الهروب إلى الأمام من فضائح ملفات “إبستين” الانخراط في حرب لا شرعية لها قانونيًا ولا سياسيًا ولا أخلاقيًا.
ففي ظل إدارة متصهينة، تمكنت الأساطير والهرطقات من عقول كثير من قياداتها، الذين يتحدثون بلا مواربة عن أن الحرب في منطقتنا “مقدسة”، وأنهم منخرطون في ما يعتقدونه خطة الرب تمهيدًا للمعركة الكبرى: “هرمجدون”.
وفي المقابل، يحلم الصهاينة على العكس من هذا التصور اللاهوتي الإنجيلي المتطرف بإخضاع المنطقة كلها لإقامة ما يسمونه “إسرائيل الكبرى”، استنادًا إلى ما يعتبرونه وعدًا إلهيًا ورد في سفر التكوين.
والمفارقة أن هذا النص ذاته، الذي يُستند إليه دينيا لتبرير مشاريع الهيمنة، لا يُعرف أصلًا على وجه اليقين من كتبه. فكل ما تقوله الدراسات التاريخية إنه نص أدبي تشكّل عبر مراحل طويلة بين القرن العاشر والقرن الخامس قبل الميلاد، ما يعني أنه ليس نصًا دينيا تاريخيًا موثقًا، ولا صك ملكية لأرض أو شعوب.!!
لكن قدر منطقتنا – للأسف – أن تتكالب عليها قوى تحكمها أساطير لاهوتية، وتمتلك فائضًا من القوة يقابله إفلاس استراتيجي وعجز اقتصادي متفاقم، وهو ما يدفعها إلى المغامرات العسكرية والغزوات الكبرى، بحثًا عن الموارد، والسيطرة على الممرات الاستراتيجية، والتحكم في أمن الطاقة العالمي، ومحاصرة خصومها على المدى البعيد.
وفي الخلفية، هناك أيضًا حسابات داخلية أكثر براغماتية: الهروب إلى الأمام من أزمات سياسية وأخلاقية تهدد مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب، وفي مقدمتها الزلازل التي أحدثتها ملفات إبستين داخل النخب السياسية والمالية والإعلامية في الغرب.
كما تلوح في الأفق انتخابات مفصلية بعد أشهر في كل من واشنطن وتل أبيب، يحتاج بعض قادتها للفوز بها أو تأجيل تداعياتها ولو بسفك المزيد من دماء المسلمين.
أما أصحاب المنطقة أنفسهم، الذين يسعى هؤلاء لتقاسم ثرواتهم واحتلال أرضهم واستعبادهم، فيبدون وكأنهم غارقون في التيه والخصومات الصغيرة والشماتات المتبادلة، وكأننا جميعًا نتشاجر فوق ظهر سفينة واحدة وهي تغرق.
وقد صدق رسول الله ﷺ حين قال:
“يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.”
قالوا: أو من قلةٍ نحن يومئذٍ يا رسول الله؟
قال: “بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاءٌ كغثاءِ السيل، ولينزعنَّ الله المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفنَّ في قلوبكم الوهن.”
قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟
قال: “حب الدنيا وكراهية الموت.”
ومن هنا، فإن أخطر ما في هذه اللحظة التاريخية ليس فقط تكالب القوى الكبرى على منطقتنا، بل أننا لم ننجح بعد في إدراك حجم الخطر المشترك.
ويتجاهل كثيرون دروس التاريخ التي تعلمنا أن الأمم لا تسقط حين يقل عددها، بل حين تفقد بوصلتها، وتتآكل من داخلها، وتتحول صراعاتها الصغيرة إلى أولوية تتقدم على بقاء السفينة نفسها.
فهل من استفاقة قبل أن تتحول المنطقة كلها إلى ساحة صراع مفتوح بين مشاريع الهيمنة الكبرى…
أم سنظل نتصارع على ظهر السفينة بينما هي تمضي بنا جميعًا نحو القاع؟







