ندرة بعض السلع في تونس خلال رمضان.. خبراء يعزونها إلى سياسة تسقيف الأسعار

رغم استقرار نسبي شهدته أسعار الخضروات والغلال في تونس خلال الأيام الأولى من شهر رمضان، إلا أن الأسواق سجلت اختفاء بعض المواد الأساسية، في مشهد يربطه خبراء اقتصاديون بسياسة تسقيف الأسعار التي تعتمدها الدولة.
ويرى مختصون أن تحديد الأسعار إدارياً دون مراعاة تكاليف الإنتاج والتوريد يؤدي إلى تقليص العرض في السوق المنظمة، ويدفع جزءاً من السلع إلى السوق الموازية، حيث تباع بأسعار أعلى بكثير من الأسعار الرسمية.
اختفاء بعض المنتجات من الأسواق
ومن بين أبرز السلع التي لوحظ اختفاؤها من الأسواق التونسية، مادة الجلبانة (البازلاء)، وهي من الخضروات الشتوية التي يكثر الإقبال عليها في هذه الفترة. فقد غابت عن السوق المركزية في العاصمة تونس، وهي أكبر سوق للخضر والغلال في البلاد.
كما اختفت فاكهة الموز، التي تعتمد تونس في توفيرها على التوريد، من الأسواق الرسمية، ولم تعد تُباع إلا لدى بعض التجار على الطرقات. ويقول بعض هؤلاء التجار إن الكميات المتوفرة لديهم تأتي عبر التهريب، وهو ما رفع سعر الكيلوغرام إلى نحو 22 ديناراً، أي ما يعادل أكثر من 7 دولارات.
خبراء: التسقيف يقلص العرض ويدفع للسوق الموازية
أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية رضا الشكندالي قال إن ما تشهده الأسواق من ندرة في بعض المواد الاستهلاكية خلال شهر رمضان ليس أمراً عرضياً.
وأوضح أن السبب يعود إلى تسقيف الأسعار دون مراعاة كلفة الإنتاج والتوريد، مشيراً إلى أن تحديد سعر أقل من السعر الحقيقي في السوق يضع الفلاح أمام خيارين: البيع بالخسارة أو الانسحاب من السوق الرسمية والتوجه إلى السوق الموازية.
وأضاف الشكندالي أن هذه السياسة تؤدي في النهاية إلى نقص العرض وارتفاع الأسعار خارج الأطر المنظمة.
وأشار إلى أن الموز، باعتباره منتجاً مستورداً، يرتبط سعره بسعر الصرف وتكاليف الشحن، وعند تسقيفه بأقل من كلفته يتراجع التوريد ويختفي من الأسواق، قبل أن يظهر مجدداً في السوق الموازية بسعر يصل إلى 22 ديناراً للكيلوغرام الواحد.
وأوضح أن الأمر نفسه ينطبق على الجلبانة، إذ إن عدم تغطية التسعير لتكاليف الإنتاج يدفع المنتجين إلى بيعها خارج السوق الرسمية، حيث يصل سعرها إلى نحو 7.5 دينارات للكيلوغرام.
آلية غير ناجحة اقتصادياً
ويرى الشكندالي أن الحل لا يكمن في التحكم الإداري بالأسعار، بل في معالجة تكاليف الإنتاج ودعم القدرة الشرائية بآليات أكثر فاعلية.
وقال إن آلية التسقيف غير ناجحة اقتصادياً لأن الأسعار تخضع لقواعد العرض والطلب، مضيفاً أن الفلاح يبحث بطبيعة الحال عن الربح، وإذا تكبد خسائر ينسحب من السوق المنظمة ويبحث عن قنوات أخرى للبيع.
وأوضح أن ارتفاع الأسعار إذا تجاوز القدرة الشرائية للمواطنين يجب أن يُعالج من خلال سياسات الأجور وليس عبر فرض تسعير إداري للسلع.
ضغوط مالية على الدولة
وأشار الشكندالي إلى أن الحكومة تواجه تحديات مالية تحد من قدرتها على زيادة الأجور، إذ صادقت بالفعل على زيادة بتكلفة 900 مليون دينار في موازنة عام 2026، إضافة إلى انتداب نحو 59 ألف موظف جديد.
وأوضح أن توفير رواتب لهذه الأعداد يتطلب موارد مالية إضافية، محذراً من أن عدم توفيرها قد يؤدي إلى احتقان اجتماعي واحتجاجات.
وأضاف أن أمام الحكومة خيارين: إما تأجيل الزيادة إلى عام 2027 أو اللجوء إلى الاقتراض من البنك المركزي، وهو خيار يحمل تداعيات اقتصادية سلبية، خاصة أن الدين الداخلي للبنك المركزي بلغ نحو 11 مليار دينار.
انتقادات سياسية لسياسة التسعير
من جهته، انتقد المحلل السياسي عبد الرزاق الخلولي سياسة تسقيف الأسعار، واعتبرها قرارات غير ناجحة سبق تجربتها وكانت نتائجها عكسية.
وقال إن تسقيف أسعار المنتجات غالباً ما يؤدي إلى فوضى في التوزيع وانتقال السلع إلى السوق الموازية، مشيراً إلى أن ضعف الرقابة في السوق يجعل تنفيذ هذه القرارات أمراً صعباً.
وأضاف أن الأسعار المرتفعة لبعض المواد خلال رمضان قد تكون مفتعلة بهدف تحقيق أرباح أكبر، لكنه في الوقت نفسه يرى أن الدولة لم تعد تتحكم بالكامل في حلقات التوزيع والأسعار.
مقترحات لمعالجة الأزمة
ويرى الخلولي أن الحل يكمن في مراقبة السوق والتدخل عند ارتفاع الأسعار بشكل مبالغ فيه عبر ضخ مواد مستوردة لزيادة العرض وخفض الأسعار، بدلاً من فرض تسعير إداري.
وأشار إلى أن الأسعار في الاقتصاد الحديث تتحدد أساساً وفق العرض والطلب، وأن الأسواق الغذائية أصبحت مرتبطة بالأسعار العالمية، خصوصاً بعد التغيرات التي شهدتها التجارة الدولية عقب جائحة كورونا.
إجراءات حكومية لضبط الأسعار
وكانت وزارة التجارة وتنمية الصادرات في تونس أعلنت، في 9 فبراير الماضي، الإبقاء على العمل بنظام تسقيف الأسعار القصوى لعدد من المنتجات الاستهلاكية، بينها الخضر والغلال والدواجن والأسماك.
وقال مدير المرصد الوطني للتزويد والأسعار بوزارة التجارة رمزي الطرابلسي إن الوزارة وضعت خطة عمل تهدف إلى التحكم في الأسعار وضمان استقرار السوق خلال شهر رمضان.
وأوضح أن الإجراءات شملت تحديد هوامش الربح وسقوف الأسعار لعدد من المنتجات، بينها تحديد هامش ربح موحد للبيع بالتفصيل بنسبة 25% في المسالك العادية و15% في المساحات التجارية الكبرى.
كما تم تحديد هامش ربح للحوم الدواجن بنسبة 15% للدجاج الجاهز للطبخ و20% لشرائح الديك الرومي، إضافة إلى سقف لهامش ربح الأسماك في حدود 25%، في محاولة للحد من تقلبات الأسعار خلال الموسم الاستهلاكي المرتفع في رمضان.






