مقالات وآراء

إسلام الغمري يكتب: خدعة الكاميرات أم اختراق الداخل؟.. قراءة في رواية “خريطة الحياة” الإسرائيلية

في عالم الاستخبارات لا تبدأ المعارك دائماً بالصواريخ والطائرات، بل كثيراً ما تبدأ بالمعلومة قبل أن تُطلق الرصاصة الأولى. وفي خضم التصعيد المتواصل في الشرق الأوسط، انتشرت خلال الأيام الماضية رواية لافتة تتحدث عن أن الاستخبارات الإسرائيلية نجحت في اختراق كاميرات المرور في طهران وشبكات الاتصالات الداخلية، وبنت من خلالها ما أُطلق عليه “خريطة الحياة” لعدد من القيادات الإيرانية. ووفق هذه الرواية، التي نُشرت بالأساس لتفسير عملية اغتيال المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، سمح تحليل الصور والبيانات بتتبع تحركات الحراس والسائقين والمرافقين، ما مكّن من رسم نمط الحياة اليومية المرتبط بمراكز القرار، وصولاً إلى تحديد اللحظة المناسبة لتنفيذ الضربة التي أودت بحياته. حجم هذا الهدف الاستثنائي هو ما يعطي هذه الرواية ثقلها، وهو ما يبرر في الوقت ذاته إخضاع هذا الجهد الاستخباري، وربما التضليلي، لمشرط التحليل البارد.

الوهلة الأولى قد توحي بأننا أمام إنجاز تقني استثنائي في عالم الاستخبارات الرقمية. غير أن التدقيق التقني والمنطقي في هذه الرواية يفتح باباً واسعاً من الأسئلة التي تتجاوز التفاصيل إلى منطق العمل الاستخباري نفسه. فمن الناحية التقنية البحتة، تعمل كاميرات المراقبة في المربعات الأمنية الحساسة والمواقع السيادية في طهران، مثل شارع باستور الذي يضم أهم مؤسسات الحكم، عادة عبر شبكات مغلقة فيزيائياً (Air-gapped) لا تتصل بالإنترنت العام. وهذا يعني أن اختراقها عن بُعد سيبرانياً يصبح شديد التعقيد، إن لم يكن مستحيلاً عملياً، ما لم يسبقه اختراق مادي أو تدخل بشري من داخل المنظومة يسمح بزرع الثغرة أولاً.

وإلى جانب هذا الشك التقني، هناك قاعدة شبه مقدسة في عالم الاستخبارات تقول إن النجاح الحقيقي يبقى سراً. فعندما تنجح وكالة استخبارات في اختراق منظومة حساسة لدولة أخرى، فإن أول ما تحرص عليه هو إبقاء هذا المسار مفتوحاً لأطول فترة ممكنة. أما الإعلان المبكر عن وسيلة الاختراق فيعني عملياً إغلاقها فوراً، لأن الطرف المستهدف سيقوم بإعادة بناء منظومته الأمنية بسرعة وبروتوكولات أكثر تعقيداً.

التاريخ الاستخباري يقدم أمثلة كثيرة على ذلك. فخلال الحرب الباردة تمكنت الولايات المتحدة من فك شيفرات سوفييتية حساسة، لكن تفاصيل هذا الإنجاز بقيت سرية لعقود طويلة. السبب بسيط: الكشف المبكر كان سيؤدي إلى تغيير النظام بالكامل خلال أيام، مما يفقد واشنطن مصدراً معلوماتياً لا يقدر بثمن. لذلك فإن ظهور رواية مفصلة عن اختراق أنظمة مراقبة في قلب العاصمة الإيرانية، وفي لحظة توتر إقليمي حاد، يثير بطبيعته قدراً من الشك لدى كثير من المحللين.

هذا الشك يفتح الباب أمام احتمال آخر معروف في أدبيات الاستخبارات، وهو ما يسمى الخداع الاستراتيجي. في مثل هذه الحالات قد تُنشر رواية تبدو مقنعة تقنياً لكنها لا تعكس الحقيقة الكاملة للعملية. الهدف هنا ليس فقط إقناع الرأي العام، بل أيضاً توجيه انتباه أجهزة الأمن في الدولة المستهدفة نحو مسار معين، بعيداً عن المسار الحقيقي الذي تم من خلاله الاختراق.

فإذا كان الاختراق الحقيقي يعتمد مثلاً على مصدر بشري داخل المنظومة، فإن نشر قصة تقنية معقدة عن الخوارزميات والكاميرات قد يكون أفضل وسيلة لإخفاء هذا المصدر. وفي عالم الاستخبارات يبقى العنصر البشري في كثير من الأحيان أكثر حسماً من التكنولوجيا المتقدمة. فالكاميرات تستطيع أن ترصد حركة السيارات، لكنها لا تستطيع أن تكشف ما يجري داخل الاجتماعات المغلقة أو ما يُتخذ من قرارات خلف الأبواب.

ولا يمكن قراءة هذه التسريبات الإعلامية – وتحديداً ما جاء في تقرير فايننشال تايمز – بعيداً عن رسائلها السياسية الخفية. فقد برز في الرواية زعم بوجود تنسيق مباشر مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) وأوامر من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. إقحام واشنطن في تفاصيل العملية ليس مجرد استعراض، بل يحمل دلالات سياسية تتجاوز الحدث ذاته.

فمن جهة، يسهم ذلك في إظهار العملية بوصفها إنجازاً مشتركاً يعكس قوة التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. ومن جهة أخرى، يرسل رسالة ردع إلى الخصوم الإقليميين مفادها أن أي مواجهة محتملة لن تكون مع إسرائيل وحدها، بل مع شبكة تحالف أوسع تمتلك أدوات استخبارية متقدمة.

على الصعيد الداخلي الإسرائيلي، تخدم مثل هذه الروايات هدفاً دعائياً مهماً. فالقيادة السياسية والأمنية تحتاج، خصوصاً في أوقات الأزمات، إلى ترسيخ صورة التفوق الاستخباري والتكنولوجي لدى الجمهور. إن تصوير الأجهزة الأمنية الإسرائيلية باعتبارها قادرة على اختراق أعمق حصون الخصم يهدف إلى تعزيز الثقة الداخلية وترميم صورة الردع.

ومن زاوية أخرى، فإن نشر هذه الروايات قد يحقق هدفاً إضافياً يتمثل في خلق حالة من الشك داخل الدولة المستهدفة. فإذا اقتنعت طهران بأن شبكات المراقبة أو الاتصالات قد تم اختراقها بهذا الشكل، فقد يدفعها ذلك إلى اتخاذ إجراءات واسعة لإعادة بناء أنظمتها التقنية أو إطلاق تحقيقات داخلية واسعة بحثاً عن الثغرات. مثل هذه الخطوات تستهلك موارد كبيرة وقد تخلق حالة من الارتباك والشك المتبادل داخل المؤسسات الأمنية.

هنا يظهر بعد آخر من الصراع المعاصر، وهو ما يعرف بالحرب الإدراكية. ففي هذا النوع من المواجهات تصبح الرواية نفسها جزءاً من المعركة. ليس ضرورياً أن تكون المعلومات كاذبة بالكامل، بل يكفي أن تكون ناقصة أو موجهة بطريقة معينة حتى تؤثر في قرارات الخصم.

ولا شك أن التكنولوجيا أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من العمل الاستخباري، وأن المدن الحديثة المليئة بالكاميرات وأجهزة الاستشعار تمثل بالفعل مصدراً ضخماً للبيانات. لكن تحويل هذه البيانات إلى أهداف عملياتية دقيقة يتطلب في العادة طبقة إضافية من المعلومات تربط الصور بالأسماء والوظائف والسياقات، وهي معلومات لا توفرها الكاميرات وحدها.

وفي عالم الاستخبارات، كثيراً ما تكون القصة التي تُروى للعالم جزءاً من العملية نفسها، لا شرحاً لها. لذلك فإن التسريبات التي تبدو في ظاهرها كشفاً للحقائق قد تكون في بعض الأحيان ستاراً يخفي خلفه حقيقة أكثر حساسية.

من هنا ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت كاميرات المرور قد لعبت دوراً في العملية أم لا. السؤال الأهم هو: لماذا يُسمح بنشر هذه الرواية الآن؟ ففي عالم الاستخبارات قد تتحول المعلومة نفسها إلى أداة في الحرب مثلها مثل أي وسيلة عسكرية أخرى.

وبين الحقيقة والتضليل تبقى مساحة واسعة تتحرك فيها أجهزة الاستخبارات بمهارة. لذلك فإن القراءة المتأنية لمثل هذه الروايات لا تكتفي بسؤال “ماذا حدث”، بل تحاول دائماً الإجابة عن سؤال أكثر عمقاً: من المستفيد من هذه القصة؟

في النهاية، قد لا تكون كاميرات الشوارع هي التي تحسم المعارك الاستخبارية، بل القدرة على إخفاء الحقيقة خلف طبقات متعددة من الروايات. وفي عالم يعاد تشكيله بسرعة، لا ينتصر من يملك التكنولوجيا الأكثر تقدماً فقط، بل من يجيد إدارة المعركة بين الحقيقة والظل.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى