
تراجع مؤشر مديري المشتريات للقطاع الخاص غير النفطي إلى ما دون مستوى الخمسين خلال فبراير 2026، ليعود النشاط الاقتصادي الحقيقي إلى دائرة الانكماش بعد فترة قصيرة من التحسن النسبي. هذا المؤشر، الذي يقيس اتجاهات الإنتاج والطلب والتوظيف والتكاليف، لا يمثل مجرد رقم إحصائي، بل يعكس المزاج الحقيقي للأسواق وقدرة الشركات على الاستمرار والنمو.
تكشف قراءة هذا التطور أن الإنتاج والطلبيات الجديدة تراجعا في وقتٍ تتصاعد فيه تكاليف التشغيل ومدخلات الإنتاج.
هذا التناقض الصعب — طلبٌ أضعف وتكلفةٌ أعلى — يضع الشركات أمام معادلة مرهقة: تقل الإيرادات بينما ترتفع المصروفات، وهو ما يدفع النشاط الاقتصادي إلى التباطؤ ويضغط على فرص العمل والاستثمار.
الاقتصاد الحقيقي لا يعيش في التقارير وحدها، بل في حركة المصانع، ونبض الأسواق،
وقدرة المستثمرين على التخطيط للمستقبل. وعندما تبدأ هذه المؤشرات في التراجع فإن الرسالة تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة العامة؛ لأن تراجع الثقة في بيئة الأعمال ينعكس مباشرة على قدرة الاقتصاد على النمو.
بيئة الأعمال في مصر تواجه خلال المرحلة الأخيرة مزيجًا من الضغوط المتراكمة
: ارتفاع تكلفة التمويل، تقلبات سوق الصرف، تضخم تكاليف الاستيراد، وتراجع القوة الشرائية للمواطنين. هذه العوامل مجتمعة تضيق المساحة أمام القطاع الخاص غير النفطي، وهو القطاع الذي يمثل القلب الحقيقي للاقتصاد المنتج.
ضعف هذا القطاع لا يعني مجرد تباطؤ اقتصادي،
بل يعني تباطؤ خلق الوظائف وتراجع الاستثمارات الجديدة وتآكل الإيرادات الضريبية الحقيقية. الاقتصاد الذي يفقد حيوية قطاعه الخاص يفقد تدريجيًا قدرته على التجدد والنمو.
رؤية حزب غد الثورة الليبرالي المصري تنطلق من حقيقة أساسية:
- لا يمكن بناء اقتصاد قوي دون قطاع خاص قوي، ولا يمكن استعادة الثقة الاقتصادية دون سياسات واضحة تعطي الأولوية للإنتاج والاستثمار الحقيقي.
- تؤمن رؤيتنا الاقتصادية بأن إنقاذ الاقتصاد لا يتحقق عبر توسيع القيود أو مضاعفة الأعباء، بل عبر تحرير طاقات المجتمع الاقتصادية، وإعادة بناء بيئة تنافسية عادلة تشجع المبادرة والاستثمار.
- استعادة النشاط الاقتصادي تتطلب انتقالًا حقيقيًا من اقتصاد يعتمد على الاقتراض والجباية إلى اقتصاد يعتمد على الإنتاج والتصدير والابتكار.
- انطلاقًا من ذلك، يطرح الحزب مجموعة من المقترحات العملية لمواجهة حالة الانكماش واستعادة الثقة الاقتصادية:
أولًا — خفض تكلفة التمويل الإنتاجي
إطلاق برامج تمويل ميسرة موجهة للقطاعات الإنتاجية الأساسية مثل الصناعة والزراعة والتصدير، بحيث يحصل المنتج الحقيقي على تمويل منخفض التكلفة يساعده على التوسع والاستثمار.
ثانيًا — استقرار سوق الصرف والسياسات النقدية
وضع إطار واضح ومستقر لإدارة سوق الصرف يحد من التقلبات الحادة ويعيد الثقة للمستثمرين ويعطي الأولوية لتوفير العملة الأجنبية لمدخلات الإنتاج.
ثالثًا — تخفيف الأعباء الضريبية على النشاط الإنتاجي
تقديم حوافز ضريبية مؤقتة للقطاع الصناعي والمشروعات الصغيرة والمتوسطة مقابل التوسع في الإنتاج والتشغيل.
رابعًا — تسريع الإفراج الجمركي عن مدخلات الإنتاج
تطوير منظومة الإفراج الجمركي وتقليص زمن الإجراءات لأن بقاء المواد الخام في الموانئ يرفع التكلفة النهائية على المنتج والمستهلك.
خامسًا — سداد مستحقات الشركات لدى الدولة
إطلاق آلية شفافة وسريعة لسداد المتأخرات الحكومية للمقاولين والموردين بما يخفف الضغوط المالية على الشركات.
سادسًا — حماية المنافسة ومنع الاحتكار
تفعيل قوانين المنافسة بصورة حقيقية لضمان تكافؤ الفرص في السوق ومنع الممارسات الاحتكارية التي تعيق الاستثمار.
سابعًا — دعم الصادرات الصناعية
توسيع برامج رد الأعباء التصديرية وتطوير الخدمات اللوجستية بما يعزز قدرة المنتج المصري على المنافسة في الأسواق الخارجية.
ثامنًا — تعميق التصنيع المحلي
تبني سياسة صناعية واضحة تهدف إلى زيادة المكون المحلي في الصناعة وتقليل الاعتماد على الواردات في القطاعات القابلة للإحلال.
الاقتصاد المصري يمتلك إمكانات كبيرة تؤهله للنمو والاستقرار، غير أن هذه الإمكانات تحتاج إلى سياسات تعيد الاعتبار للإنتاج والعمل والابتكار. الإصلاح الاقتصادي الحقيقي يبدأ من إعادة الثقة في السوق ومنح الاقتصاد المنتج المساحة التي يستحقها.
● رئيس حزب غد الثورة الليبرالي المصري
الدكتور أيمن نور








