مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: قراءة متأنية في تقرير أوروبي خطير..العالم بين مطرقة الهدم وسؤال النظام الدولي الجديد


بين أيدي صُنّاع القرار في أوروبا وأمريكا وثيقة سنوية باتت تُعد من أهم المراجع الاستراتيجية لفهم اتجاهات السياسة الدولية، هي تقرير مؤتمر ميونيخ للأمن. نسخة عام 2026 جاءت في أكثر من 120 صفحة من التحليل السياسي والاقتصادي والأمني المكثف، وهو تقرير لا ينتشر عادة على نطاق واسع في الإعلام الجماهيري، بل يُتداول في الأساس داخل دوائر الدبلوماسيين والباحثين ومراكز التفكير الاستراتيجي. لذلك فإن قراءة هذا التقرير ليست مجرد مطالعةٍ لنص بحثي، بل محاولة للاقتراب من طريقة تفكير النخب التي تصوغ سياسات العالم

يحمل التقرير عنوانًا لافتًا: “Under Destruction – تحت التدمير”. عنوان يبدو أقرب إلى تشخيصٍ حضاري لحالة النظام الدولي. فالعالم الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، وبُنيت قواعده على مؤسسات مثل الأمم المتحدة والنظام التجاري العالمي، لم يعد يواجه مجرد خلافات سياسية أو مطالب إصلاح، بل يقف – وفق قراءة التقرير – أمام لحظة تفكيك تدريجي لقواعده الأساسية.

الملاحظة الأولى التي يخرج بها القارئ أن النظام الدولي لم يعد يعاني فقط من صعود قوى جديدة، بل من تراجع الثقة داخل المجتمعات التي أنشأته أساسًا. صعود التيارات الشعبوية في الغرب، وتراجع ثقة الرأي العام في المؤسسات الديمقراطية، جعلا قطاعات واسعة من المجتمع تميل إلى خطابٍ سياسي يفضّل الهدم قبل الإصلاح. وعندما تفقد المجتمعات ثقتها في قدرة السياسة على تحسين المستقبل، يصبح الطريق ممهّدًا أمام قوى تَعِد بالتغيير عبر الصدمة لا عبر التدرج.

في قلب هذه الصورة تقف الولايات المتحدة، القوة التي كانت لعقود طويلة العمود الفقري للنظام الدولي. التقرير يشير إلى تحوّلٍ ملحوظ في طبيعة السياسة الأمريكية، حيث تتجه أكثر نحو إعادة صياغة تحالفاتها وفق منطق الصفقات والمصالح المباشرة، بدلاً من الالتزام طويل الأمد بمنظومة التحالفات التقليدية. مثل هذا التحول لا يغير فقط شكل السياسة الأمريكية، بل يضع حلفاءها أمام سؤال وجودي: كيف يمكن بناء نظام تحالفات مستقر إذا أصبحت التحالفات نفسها قابلة لإعادة التفاوض في كل دورة سياسية؟

أوروبا تبدو في التقرير وكأنها القارة الأكثر إحساسًا بهذا التحول. فهي من جهة تواجه ضغطًا روسيًا متزايدًا منذ الحرب في أوكرانيا، ومن جهة أخرى تواجه غموضًا في طبيعة الالتزام الأمريكي بأمنها. وبين هذين العاملين تحاول العواصم الأوروبية البحث عن صيغة جديدة تجمع بين الحفاظ على التحالف الأطلسي وبناء قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية.

الاقتصاد العالمي – كما يعرضه التقرير – لم يعد مجرد شبكة تبادل تجاري، بل أصبح ميدانًا للصراع السياسي. القيود التجارية، والحروب الاقتصادية، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، كلها أدوات تستخدمها القوى الكبرى في تنافسها الاستراتيجي. وهكذا تتحول التجارة إلى امتداد للسياسة، وتصبح الأسواق جزءًا من معادلة القوة الدولية.

من أكثر فصول التقرير إثارة للقلق ما يتعلق بمستقبل المساعدات الإنسانية والتنمية الدولية. فالعالم – وفق الأرقام التي يعرضها التقرير – لم يكن أصلًا يسير على المسار الصحيح لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد الضغوط الاقتصادية أصبحت برامج التنمية نفسها عرضة للتسييس، ما يعني أن ملايين البشر قد يجدون أنفسهم رهائن لصراعات القوى الكبرى.

الشرق الأوسط يظهر في التقرير بوصفه إحدى الساحات التي تتجلى فيها هذه التحولات بوضوح. النزاعات المسلحة، وتبدل التحالفات، وتسييس المساعدات الإنسانية، تجعل المنطقة مرآةً لتراجع النظام الدولي القائم على القواعد. ففي عالم تتقدم فيه القوة على القانون، تصبح أزمات المنطقة أكثر عرضة للتدويل والتوظيف السياسي.

ضمن التحولات الاقتصادية الكبرى يشير التقرير إلى توسع مجموعة بريكس وضم دول جديدة بينها مصر. هذه الإشارة تعكس تحوّلًا مهمًا في بنية الاقتصاد العالمي، حيث تسعى الاقتصادات الصاعدة إلى بناء مسارات تعاون موازية للنظام المالي الدولي التقليدي. بالنسبة لمصر يفتح هذا التطور فرصة لتعزيز هامش الحركة الاقتصادية، لكنه يضع في الوقت نفسه تحديًا يتمثل في تحويل هذه العضوية إلى مكاسب عملية حقيقية.

أما تركيا فتظهر في التقرير من زاوية مختلفة، إذ تُدرج ضمن الدول التي توسّع حضورها في مجال المساعدات التنموية الدولية. هذا الحضور يعكس تنامي أدوات القوة الناعمة التركية ويؤكد أن النفوذ الدولي لم يعد يُقاس فقط بالقوة العسكرية، بل أيضًا بالقدرة على بناء شبكات تأثير اقتصادي وإنساني.

في شهر فبراير الماضي أنهيت جولة أوروبية قصيرة بين لندن وباريس، وكانت المصادفة أن تتزامن تلك الجولة مع انعقاد مؤتمر ميونيخ للأمن في ألمانيا. لم تكن تلك المصادفة مجرد تقاطعٍ زمني، بل منحتني فرصة الإحساس بالأجواء الفكرية والسياسية التي تحيط بهذا المؤتمر الذي أصبح أحد أهم منصات النقاش حول مستقبل النظام الدولي.

الدلالة الأوسع التي يمكن استخلاصها من التقرير أن العالم يتجه إلى مرحلة تتراجع فيها القواعد الجامعة لصالح ترتيبات مرنة ومؤقتة. في مثل هذا السياق تصبح قدرة الدول المتوسطة – مثل مصر وتركيا – على المناورة وبناء علاقات متعددة الاتجاهات عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على مصالحها.

العالم الذي يرسمه تقرير ميونيخ ليس عالمًا يتجه بثبات نحو نظام دولي جديد، بل عالمًا يعيش مرحلة انتقالية مضطربة. في هذه المرحلة تتراجع اليقينيات القديمة، وتظهر تحالفات جديدة، وتُختبر قدرة الدول على التكيف مع واقعٍ تتزايد فيه المنافسة وتضعف فيه الضوابط.

قراءة متأنية لهذا التقرير تقود إلى خلاصة واضحة: النظام الدولي لا ينهار فجأة، بل يتغير ببطء عبر تراكم التحولات. وقد تكون اللحظة الراهنة إحدى تلك اللحظات التي يعاد فيها رسم توازنات العالم. وفي مثل هذه اللحظات لا يكفي امتلاك القوة وحدها، بل يصبح الأهم هو القدرة على قراءة اتجاه الرياح قبل أن تتحول إلى عاصفة.


أهم الأسماء المشاركة في إعداد التقرير

أُعدّ التقرير تحت إشراف مؤتمر ميونيخ للأمن (MSC) بمشاركة فريق بحثي دولي يقوده عدد من أبرز الباحثين الاستراتيجيين، من بينهم:

توبياس بونده (Tobias Bunde)

صوفي آيزنتراوت (Sophie Eisentraut)

نيكول كونيغ (Nicole Koenig)

راندولف كار (Randolf Carr)

فالنتين داور (Valentin Daubner)

نورا كيرزدورفر (Nora Kürzdörfer)

جوليا هاميلهله (Julia Hammelehle)

وهو الفريق البحثي الذي يقف خلف النسخة السنوية من Munich Security Report التي تعد من أهم الوثائق المرجعية في فهم اتجاهات الأمن والسياسة الدولية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى