مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب: سوريا بين نافذة الدولة الجديدة وخطر الإفلات من العقاب

بعد نحو 15 شهراً على 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تقف سوريا على مفترقٍ حاسم: من جهةٍ هناك نافذة تاريخية لإعادة تأسيس الدولة على قاعدة الحقوق والشرعية، ومن جهةٍ أخرى تظهر مؤشرات “انتقال مثقل بالإفلات من العقاب” حيث تبقى ملفات الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري حاضرة ولم تغلق من حقبة الأسد، بما يهدد ثقة الناس بمؤسسات الدولة الجديدة ويجعل الاستقرار هشاً.

في هذه المرحلة، تتجسد معضلة سوريا في ثلاث طبقات متداخلة: طبقة أمنية تتعلق بقدرة السلطة على ضبط السلاح ومنع الانتقام المحلي وطبقة مؤسساتية تتعلق ببناء قضاء مستقل وطبقة اجتماعية تتعلق بإعادة نسج الثقة بين مكونات المجتمع بعد سنوات من العنف.

وفي حوار خاص لـ”963+” مع المعتصم الكيلاني المختص في القانون الدولي وحقوق الإنسان أجاب من خلاله على العديد من الأسئلة فيما يتعلق بقضية شغلت السوريين خلال الأسابيع والأشهر الماضية تتمثل بالإفراج عن شخصيات مرتبطة بالنظام المخلوع ومتهمة بارتكاب انتهاكات وجرائم بحق السوريين.

وفي ما يلي الحوار كاملاً:

ما أثر تكرار الإفراج عن المتورطين في ارتكاب انتهاكات بحق السوريين على الثقة بالمؤسسات القضائية وانعكاس ذلك على السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي؟

في سوريا ما بعد السقوط، يصبح قرار الإفراج عن متهمين بانتهاكات جسيمة أكثر من مجرد إجراء جزائي، إنه “رسالة تأسيسية” عن طبيعة الدولة القادمة: هل هي دولة قانون فعلاً أم دولة توازنات. حين يتكرر الإفراج عن متورطين مشتبه بهم دون مسارٍ قضائي شفاف ومقنع، تتضرر الثقة بالمؤسسات القضائية على مستويين: أولاً ثقة الضحايا وذويهم الذين يشعرون أن الدولة الجديدة لا تعترف بكرامتهم ولا تُقدّر معاناتهم إلا خطابياً وثانياً ثقة الجمهور الأوسع الذي يرى أن العدالة تخضع للنفوذ أو للمساومات. هذا الأثر لا يبقى رمزياً، بل يتحول إلى سلوك اجتماعي وسياسي: امتناع عن التعاون مع السلطات، لجوء إلى عدالة خارج الدولة، وتنامي مخاطر الانتقام المحلي أو “الاقتصاص الأهلي” الذي يهدد النسيج الاجتماعي ويعيد إنتاج دورة العنف.

المنطق القانوني هنا واضح: الإفراج المتكرر مع غياب تحقيقات جادة يقترب من تكريس “الإفلات من العقاب”، وهو ما تحذر منه أدبيات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان في السياق السوري تحديداً. مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، مثلاً، ربط بين وقف الانتهاكات وبناء مسارات تحقيق ومساءلة أكثر جدية، وأشار إلى أن ما اتُّخذ من خطوات أولية لا يكفي. كما أن استمرار الاعتقال التعسفي أو أنماط الاحتجاز على يد أطراف متعددة في 2025 وفق تقارير حقوقية سورية يضعف فكرة أن الدولة الجديدة تمثل قطيعة مؤسسية مع الماضي، وهو ما يجعل أي إفراجات “سياسية” تزيد الريبة بدل أن تبني الثقة.

وعندما نضع ذلك في إطار القانون الدولي، نرى أن المشكلة ليست “مزاجاً شعبياً”، بل تعارضٌ مع التزامات أساسية: اتفاقية مناهضة التعذيب لا تكتفي بتجريم التعذيب، بل تُلزم بتحقيقٍ سريع ومحايد عند الاشتباه، ما يعني أن الإفراج دون تحقيق فعّال يطعن في التزام الدولة بمنع التعذيب ومحاسبته.

ما مدى كفاية نصوص قانون العقوبات السوري في التعامل مع جرائم الانتهاكات وهل هناك ثغرات قانونية محتملة بحاجة إلى التعديلات؟

بعد سقوط نظام الأسد المخلوع، يعود السؤال الجوهري: هل يمتلك القانون السوري، بصيغته التقليدية، أدواتٍ كافية لملاحقة جرائم الحقبة السابقة ومساءلة المسؤولين عنها؟ المشكلة عادة ليست في وجود مواد عامة عن القتل أو الإيذاء أو الحرمان من الحرية، بل في غياب القدرة على توصيف الجرائم “المركبة” التي تميّز النزاعات الطويلة: التعذيب كسياسة دولة، الاختفاء القسري كجريمة مستمرة، الاضطهاد على أساس الهوية، الجرائم الجنسية المرتبطة بالاعتقال، والقتل كجزء من هجوم واسع أو منهجي على المدنيين. هنا تظهر أهمية إدخال تعريفات الجرائم الدولية في التشريع الوطني أو إنشاء غرف مختلطة/متخصصة، لأن القانون الجنائي التقليدي قد يفتت الجريمة إلى أفعال منفصلة ويُضيع البنية المنهجية التي ترفعها إلى جرائم ضد الإنسانية.

النصوص الدولية تقدم معياراً عملياً للإصلاح. نظام روما الأساسي يضع تعريفاً للجرائم ضد الإنسانية مرتبطاً بسياق “هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين”، ويعدد أفعالاً مثل القتل، السجن في انتهاك للقواعد الأساسية للقانون الدولي، التعذيب، الاضطهاد، والاختفاء القسري ضمن هذا الإطار. إدخال هذا المنطق في القانون الوطني يساعد على الانتقال من محاكمة “منفذي الوقائع” إلى محاسبة “صانعي السياسات” أيضاً.

في السياق السوري تحديداً، أُنشئت بالفعل هيئتين وطنية للعدالة الانتقالية والمفقودين بمرسوم رئاسي في أيار/مايو 2025، لكن منظمات حقوقية اعتبرت أن ولاية هيئة العدالة الانتقالية ضيقة وتستبعد ضحايا كثيرين إذا حُصر النظر بانتهاكات طرف واحد، وهو ما يعيد إنتاج “هرمية الضحايا” ويقوض فكرة عقد اجتماعي جامع. لذلك فإن كفاية قانون العقوبات لا تُقاس فقط بنصوص التجريم، بل أيضاً بمدى شمولية الاختصاص، وضمان استقلال الادعاء العام، ووجود حماية للشهود، وقدرة النظام على التعامل مع الجرائم المنهجية وفق المعايير الدولية.

هل آليات المحاسبة الخاصة بمرتكبي الانتهاكات تتأثر بالضغوط السياسية أو الشعبية؟

في مرحلة انتقالية كسوريا بعد 15 شهراً، من الواقعي القول إن آليات المحاسبة تتعرض لضغوط متعددة: ضغط سياسي مرتبط بتوازنات السلطة وبالحاجة إلى تثبيت الحكم وإدارة الفصائل، وضغط شعبي نابع من رغبة الضحايا في عدالة سريعة ومن خوف جماعات أخرى من “عدالة انتقامية”. المشكلة أن كلا النوعين من الضغط يمكن أن يُفسد العدالة إن لم يُضبط ضمن إطار قانوني واضح، الضغط السياسي قد يدفع إلى حصانات غير معلنة أو إلى الإفراجات كأدوات تفاوض، والضغط الشعبي قد يدفع إلى محاكمات رمزية متسرعة أو إلى عقوبات انتقامية خارج ضمانات المحاكمة العادلة، وكلاهما يهدد بناء قضاء محترف.

المعيار الدولي هنا ليس غامضاً: المطلوب “محاسبة تحترم الحقوق” لا “محاسبة انتقائية”. العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية يربط الحق في الانتصاف بوجود آلية فعّالة، وفعالية الآلية تتطلب استقلالاً عن الإملاءات السياسية وقدرة على تطبيق القانون دون تمييز. وفي الملف السوري، تشير تقارير أممية وإعلامية إلى استمرار بيئة أمنية مضطربة ووجود اختفاءات مستمرة حتى بعد السقوط.

ما أسباب غياب أو تعثر تطبيق العدالة الانتقالية في سوريا بعد سقوط النظام المخلوع؟

التعثر في سوريا لا يُقرأ كغياب فكرة العدالة الانتقالية؛ بل كصراع بين “منطق الدولة” و“منطق التوازنات”. نعم، تم الإعلان عن خطوات تأسيسية: إنشاء هيئة وطنية للعدالة الانتقالية وهيئة وطنية للمفقودين في أيار/مايو 2025، مع ترحيب دولي من منظمات متخصصة ومع متابعة أممية لملف المفقودين. لكن في المقابل ظهرت سريعاً إشكالات تقوض الثقة: نطاق ولاية هيئة العدالة الانتقالية كما انتقدته “هيومن رايتس ووتش” اعتُبر ضيقاً ويستبعد شرائح من الضحايا، كما أن استمرار الانتهاكات في بعض المناطق وغياب الشفافية حول بعض إجراءات الاحتجاز والتحقيق يخلق انطباعاً بأن العملية تُدار من أعلى دون تمكين فعلي للضحايا والمجتمع المدني.

العائق الأكبر عادةً ليس “نقص النصوص”، بل ثلاثة أمور متشابكة: أولاً هشاشة الأمن وتعدد السلطات الواقعية، ما يجعل حماية الشهود، وحفظ مسارح الجريمة، وجمع الأدلة عملاً بالغ الصعوبة. ثانياً تضارب المصالح السياسية: محاسبة واسعة قد تهدد تحالفات الحكم أو تكشف تورط شخصيات نافذة، فتظهر ميول لتأجيل العدالة باسم الاستقرار. ثالثاً صعوبة بناء جهاز قضائي مستقل بسرعة بعد عقود من تسييس القضاء. مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان أشار إلى الحاجة لمزيد من الجهود المؤسسية، بما في ذلك التحقيقات والوقف الفعلي للانتهاكات، وهذا يعني أن العدالة الانتقالية في سوريا تتوقف على إرادة سياسية لحماية مسار العدالة من منطق “المرحلة الأمنية”.

ما هو البعد السياسي والمؤسساتي لقرارات الإفراج عن أشخاص بارزين متهمين بارتكاب جرائم بحق السوريين في عهد النظام المخلوع؟

في سوريا بعد السقوط، يصبح الإفراج عن “شخصيات بارزة” اختباراً مضاعفاً: اختبار لاستقلال القضاء، واختبار لقدرة السلطة على مقاومة إغراء “إدارة الماضي” عبر الصفقات بدل القانون. البعد السياسي يظهر حين يُستخدم الإفراج كأداة لإعادة تدوير شبكات نفوذ قديمة أو لاسترضاء قوى محلية أو إقليمية أو لتخفيف توتر أمني، بينما يقتضي البعد المؤسساتي أن يخضع الإفراج لضوابط صارمة تتعلق بخطورة الجرائم، بحماية الشهود، وبحق الضحايا في المشاركة، وبمعلومية الأسباب. وعندما تكون الجرائم المحتملة من نوع الجرائم الدولية، تصبح أي “حصانة أمر واقع” أو إفراج بلا تحقيق فعال انتهاكاً لروح الالتزامات الدولية، لأنه يعادل عملياً إجهاض الحق في الانتصاف والحقيقة.

كيف تنظر إلى تأثير التسويات أو المصالحات على مسار العدالة؟

التسويات والمصالحات في سوريا يمكن أن تكون مفيدة فقط إذا فُهمت كجزء من العدالة الانتقالية، لا كبديل عنها. المصالحة التي تُبنى على “النسيان” أو على عفوٍ واسع عن الجرائم الجسيمة قد تُنتج هدوءً قصير المدى، لكنها غالباً تُخزّن الغضب وتؤجل الانفجار، لأن الضحايا يرون أن حياتهم وكرامتهم وحقوقهم صارت ثمناً للاستقرار.

قانونياً، الحد الفاصل الذي يجب أن يحكم أي تسوية في سوريا هو: حق الضحايا في الانصاف والحقيقة والجبر. لذلك، إذا كانت التسوية تعني فعلياً تعطيل التحقيق أو الإفراج دون مساءلة أو إغلاق ملفات التعذيب والاختفاء، فهي ليست “مصالحة”، بل إعادة إنتاج منظومة الإفلات من العقاب بوجه جديد.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى