
لم يعد التصعيد المتكرر في المنطقة يُقرأ فقط وفق توازن النفوذ الإقليمي، حيث أن مستوى اخر يتشكل في الخفاء ، تتداخل فيه السياسة بالعقيدة ، وفق رؤية تعتبر الصراع أكثر من مجرد تنافس جيوسياسي.
فهل نحن أمام مواجهة أمنية تقليدية تتعلق بالنووي والنفوذ الإقليمي، أم أن هناك بعدا عقائدي يعيد صياغة الصراع ؟
يتجاوز التصعيد المتكرر بين إسرائيل وإيران الحسابات العسكرية التقليدية. فإلى جانب خطر البرنامج النووي، يتشكل بعد فكري ، يتمثل في إصطفاف اكثر عمقا بين تيارات صهيونية دينية ومسيحية نافذه في الولايات المتحدة ليمنح الحرب صفة “المهمة التاريخية” ، هذا الاصطفاف يساهم في تأطير الصراع ليصبح ذو طابع تاريخي وعقائدي…
في الفكر الصهيوني الديني، لا تعتبر إسرائيل دولة حديثة ، بل مشروع يحقق وعد تاريخي ذو بعد لاهوتي. من هذا المنطلق ، فإن أي تهديد إقليمي وخاصة من دولة تعلن عداءها الصريح يعتبر تهديد للمشروع برمته.
إذ تعتبر إيران على رأس محور معادي “للنظام الإقليمي الجديد” الذي تسعى إسرائيل إلى تحقيقه. فالصراع مع إيران أكثر من تهديد أمني، إنه مواجهة مع قوة تصنف أيديولوجيا كخطر وجودي على “المشروع التاريخي”.
في المقابل، تؤمن قطاعات واسعة من المسيحية الإنجيلية الأمريكية بأن قيام إسرائيل واستمرار هيمنتها عنصر أساسي في معتقدات دينية تتعلق بنهاية الزمان . هذه الرؤية حاضره في القاعدة الانتخابية التي تؤثر في القرار السياسي الأمريكي، خصوصاً داخل التيارات المحافظة.
البعد العقائدي لإيران
في الفكر الشيعي الاثني عشري:
تؤمن إيران بعودة الإمام المهدي في آخر الزمان ليقيم العدل بعد انتشار الظلم.
وأن المواجهة مع قوى كبرى قد تكون جزءاً من هذا المسار التاريخي.
لكن من المهم الاخذ في الاعتبار أن المؤسسة الدينية الرسمية في إيران لا تتبنى ذلك بشكل رسمي ، بل تعتبر أن واجب الدولة هو حماية نفسها ومواجهة الهيمنة.
هذه الفكرة ترتبط أيضاً بنظرية ولاية الفقيه التي طرحها روح الله الخميني، حيث يُنظر إلى الدولة الإسلامية باعتبارها نظاماً يحفظ المجتمع حتى زمن ظهور المهدي.
عندما تتقاطع هذه الرؤى الثلاث:
المهدوية في إيران
الصهيونية الدينية في إسرائيل
الإنجيليون في الولايات المتحدة
فإن ذلك يعزز سردية أن الصراع في الشرق الأوسط لا تحركه فقط الجغرافيا السياسية، بل أيضاً رؤى دينية عميقة تتداخل مع المصالح الاستراتيجية.
تاريخيا، ليست هذه أول مرة يعطى فيها الصراع السياسي بعدا دينيا. فالحروب الصليبية في أوروبا حملت طابعا دينيا ، كما استخدم الدين في فترات لاحقة لتبرير توسعات استعمارية و حروب أيديولوجية.
فالحرب بين التحالف الأمريكي الصهيوني وإيران ليست حربا دينية بالمعنى الكلاسيكي
ولكن حلقة من مسار تاريخي ممتد ..
هذا ما يجعل الحرب اليوم
أبعد من مجرد مواجهة عسكرية عابرة أو أزمة إقليمية، إنه مشروع مستمر لتشكيل واقع جديد، يتبنى مواقف إيديولوجية أكثر منها سياسية.
وهذا ما يمكن تسميته “إعادة تشكيل الشرق الأوسط” ليس فقط بحدود جديدة، بل بهوية جديدة و سلطة جديدة.







