مقالات وآراء

مصباح العلي يكتب: المبادرة الفرنسية وُلدت ميتة… فماذا يقول الميدان؟

من عمق نفقٍ إقليمي مظلم، وعلى إيقاع الحديد والنار، بدت المبادرة الفرنسية كخشبة خلاص محتملة للبنان، الذي يقف مرة جديدة على حافة جحيم واسع. غير أن المعطيات الدبلوماسية التي تسربت في الساعات الأخيرة توحي بأن تلك المبادرة وُلدت شبه ميتة، قبل أن تتاح لها فرصة التحول إلى مسار سياسي فعلي.

ينقل زوار رئيس مجلس النواب نبيه بري أن الاتصال المطوّل الذي جمعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تناول بصورة أساسية كيفية تجنيب الضاحية الجنوبية لبيروت مصيراً مشابهاً لما شهدته قطاع غزة وخان يونس من دمار شامل بفعل العمليات العسكرية الإسرائيلية.

وخلال النقاش، طرح الجانب الفرنسي تصوراً أولياً يقوم على الدفع نحو وقف لإطلاق النار، مقابل عودة حزب الله إلى الالتزام بالتفاهمات السابقة التي جرى التوصل إليها في السابع والعشرين من تشرين الثاني الماضي. غير أن هذا الطرح، وفق مصادر دبلوماسية أوروبية، بقي أقرب إلى فكرة سياسية أولية منه إلى مبادرة متكاملة العناصر.

تباين غربي يقتل المبادرة

المعضلة الأولى التي واجهت الطرح الفرنسي تمثلت في التباين الواضح داخل المعسكر الغربي نفسه، وخصوصاً بين باريس وواشنطن. فالإدارة الأميركية تبدو أقرب إلى المقاربة الإسرائيلية التي تعتبر أن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يقترن بمعالجة جذرية لمسألة سلاح حزب الله ودوره العسكري في الجنوب اللبناني.

وفي هذا السياق، تبرز ضغوط غير مباشرة على حكومة نواف سلام، التي يُحمّلها بعض الدوائر الغربية مسؤولية التباطؤ في التعامل مع هذا الملف الحساس. وهو ما يضع الدولة اللبنانية بين مطرقة المطالب الدولية وسندان التوازنات الداخلية المعقدة.

شرط إقليمي يعقّد المعادلة

لكن العامل الأكثر حسماً في تعطيل المبادرة، وفق المصادر الدبلوماسية، لم يكن فقط التحفظ الأميركي، بل الشرط الذي طرحه حزب الله والقاضي بوقف العمليات العسكرية ضد إيران كجزء من أي تفاهم محتمل.

هذا الشرط نقل النقاش من إطار الأزمة اللبنانية إلى قلب الصراع الإقليمي الأشمل بين الولايات المتحدة وإيران. فالساحة اللبنانية لم تعد، عملياً، ساحة نزاع محلية، بل باتت إحدى جبهات الاشتباك المفتوح في معادلة النفوذ الإقليمي.

وفي هذا السياق، تبدو طهران أكثر تمسكاً بأوراقها الاستراتيجية في المنطقة، في لحظة تشهد تصعيداً واسعاً يمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. وقد انعكس هذا التصعيد في استهدافات طالت دولاً في الخليج العربي، ما يكرّس اتساع رقعة الاشتباك وتداخل مساراته.

حين تتقدم الجبهات على الدبلوماسية

كل ذلك يجعل المبادرات الدبلوماسية، ومنها المسعى الفرنسي، تتحرك في مساحة ضيقة للغاية. فالدبلوماسية عادة تواكب توازنات الميدان، ولا تسبقها. وعندما يكون ميزان القوى قيد التشكل على الأرض، تصبح المفاوضات مجرد محاولات لشراء الوقت أو إدارة التصعيد، لا لإنتاج حلول نهائية.

من هنا، فإن المشهد اللبناني يبدو محكوماً بثنائية قاسية:
ميدان يتجه نحو مزيد من الانفجار، ودبلوماسية تحاول اللحاق بالوقائع قبل أن تتكرس نهائياً.

فالضاحية الجنوبية، التي تُذكر اليوم في الكواليس الدبلوماسية كمنطقة يجب تجنيبها مصيراً شبيهاً بغزة، ليست سوى عنوان لمرحلة قد تتسع لتشمل كامل الجغرافيا اللبنانية إذا خرجت المواجهة عن ضوابطها الحالية.

لبنان في قلب العاصفة

في المحصلة، لم تعد المشكلة في فشل مبادرة فرنسية هنا أو تعثر وساطة دولية هناك. فالأزمة اللبنانية باتت جزءاً من معادلة إقليمية أكبر بكثير من قدرة لبنان على التحكم بها.

ومع تعثر المسارات السياسية، يبدو أن الميدان هو الذي يكتب الإيقاع الحقيقي للأحداث.

أما السؤال الأخطر، فلم يعد ما إذا كانت المبادرات الدبلوماسية ستنجح أم لا، بل ما إذا كان لبنان سيبقى قادراً على تفادي التحول إلى ساحة حرب كاملة في صراع تتجاوز حدوده بكثير حدوده الجغرافية والسياسية.

وفي انتظار جواب لم يتبلور بعد، يبقى لبنان معلقاً بين دبلوماسية عاجزة وميدان يقترب أكثر فأكثر من لحظة الانفجار الكبير.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى