شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب . علوي حافظ . نائب الدرب الأحمر وفارس البرلمان

ذاكرة السياسة لا تحفظ الخطب فقط، بل تحفظ الوجوه. بعض الوجوه تمرّ في حياة الأمم كأنها ظلال عابرة، وبعضها يظل حاضرًا في الضمير العام حتى بعد أن يغيب الجسد. حين أستعيد اسم علوي حافظ لا أستحضره بوصفه نائبًا سابقًا أو رقمًا في سجل الحياة النيابية المصرية، بل أستعيد إنسانًا عرفته عن قرب في سنواته الأخيرة، وجمعتني به علاقة إنسانية دافئة، تجاوزت حدود السياسة واختلاف الأعمار.

كنت أزوره أحيانًا في منزله الهادئ في المنيل، ذلك البيت المطل على نهر النيل. كانت الجلسات تمتد طويلًا بين حكايات السياسة وذكريات البرلمان ومواقف الحياة. هناك تعرّفت أكثر إلى الرجل الذي لم يكن مجرد نائب صاخب في قاعة المجلس، بل إنسانًا بسيطًا في حياته اليومية، شديد الاعتزاز بتاريخ طويل من المواجهة السياسية. العلاقة التي جمعتنا في إطار حزب الوفد لم تكن علاقة تنظيمية باردة، بل تحولت إلى صداقة صادقة رغم فارق السن، صداقة امتدت بمحبة إلى أسرته الكريمة، وإلى زوجته الفاضلة التي رحلت في السنوات الأخيرة تاركة في الذاكرة أثرًا طيبًا ودفئًا إنسانيًا لا يُنسى.

تلك الصداقة لم تتوقف عند حدود البيت والأسرة، بل امتدت إلى مكانٍ كان يحتل مساحة خاصة في قلبه: الدرب الأحمر. لم تكن هذه الدائرة مجرد عنوان انتخابي في أوراق البرلمان، بل كانت عالمه الحقيقي. كان يحب أهلها كما يحب المرء بيته القديم، وكان أهلها يبادلونه الحب نفسه. علاقة لا تقوم على خطاب سياسي، بل على شعور متبادل بأن الرجل واحدٌ منهم، يعرف شوارعهم وأزقتهم وأحلامهم الصغيرة. كان علوي حافظ يعشق الدرب الأحمر… وكانت الدرب الأحمر تعشقه.

في السياسة المصرية أسماء كثيرة مرت تحت قبة البرلمان، لكن قلة منها تركت أثرًا حقيقيًا في معنى الرقابة البرلمانية. كان علوي حافظ واحدًا من هؤلاء القلائل. ثلاثون عامًا قضاها نائبًا عن الدرب الأحمر والباطنية، وفي تلك السنوات الطويلة صنع لنفسه سمعة نائبٍ لا يكتفي بالتصفيق ولا يجيد الصمت حين يجب الكلام.

الخامس من مارس 1990 بقي أحد أهم التواريخ في مسيرته السياسية. في ذلك اليوم وقف الرجل تحت قبة مجلس الشعب ليقدم استجوابًا أصبح مع مرور الزمن من أطول وأخطر الاستجوابات في تاريخ الحياة النيابية المصرية. لم يكن استجوابًا عابرًا، بل ملفًا ضخمًا من الوثائق والوقائع التي قال إنها تكشف شبكات فساد تحيط بصفقات نقل السلاح الأمريكي إلى مصر، وتكشف كيف يمكن أن تتحول القروض العسكرية إلى باب واسع للعمولات والسمسرة.

لم يكن حديثه مجرد اتهام سياسي، بل استند – بحسب ما عرضه – إلى وثائق ومحاضر مناقشات في الكونجرس الأمريكي ومجلس الشيوخ الأمريكي. كما استند إلى وقائع محاكمات في الولايات المتحدة، كشفت – وفق روايته – عن تورط شركات وهمية في نقل السلاح، وعن شبكة من المصالح بين بعض رجال الأعمال ومسؤولين في الداخل وشركاء في الخارج.

الاسم الذي تكرر كثيرًا في ذلك الاستجواب كان اسم رجل الأعمال حسين سالم. قال النائب إنه كان أحد المستفيدين من تلك الصفقات عبر شركات شحن وهمية، أبرزها شركة أتسكو التي تغير اسمها لاحقًا إلى الفور وينجز. ووفق ما أورده الاستجواب، فقد حققت هذه الشبكات أرباحًا ضخمة من نقل شحنات السلاح الممولة من المعونة الأمريكية.

في روايته البرلمانية تحدث علوي حافظ عن أرباح قُدرت بنحو 73 مليون دولار. كما أشار إلى قضية نظرتها محكمة في فيرجينيا بالولايات المتحدة، وعن اعترافات قدمها المتهم الرئيسي مقابل تخفيف العقوبة ورد جزء من الأموال. وتحدث أيضًا عن ما سماه “المظروف الأصفر” الذي أرسلته السلطات الأمريكية إلى وزارة العدل المصرية ويضم أسماء مسؤولين كبار ورد ذكرهم في التحقيقات.

غير أن أخطر ما طرحه في ذلك الاستجواب لم يكن فقط ملف صفقات السلاح. بل الربط الذي أصر عليه بين تلك الصفقات وبين مصرع وزير الدفاع الأسبق المشير أحمد بدوي وعدد من كبار ضباط القوات المسلحة في حادث الطائرة الشهير عام 1981. لم يقدم ذلك بوصفه حكمًا قضائيًا، بل بوصفه شبهة سياسية خطيرة تستحق إعادة التحقيق.

العلاقة بين علوي حافظ وأحمد بدوي لم تكن علاقة سياسية عادية. كانا زميلين في السلاح، وصديقين مقربين. لذلك جاء حديثه عن تلك الواقعة مشحونًا بقدر كبير من الألم الشخصي، قبل أن يكون موقفًا سياسيًا.

الجلسة التي استمرت نحو 220 دقيقة كانت واحدة من أكثر جلسات البرلمان توترًا في تلك المرحلة. رئيس المجلس رفعت المحجوب، ورئيس الوزراء عاطف صدقي، وعدد من قيادات الأغلبية البرلمانية، سعوا إلى منع ذكر أسماء المتورطين داخل القاعة. وفي نهاية النقاش وافقت الأغلبية على حذف الأسماء من مضبطة الجلسة.

انتهت الجلسة من دون تشكيل لجنة تقصي حقائق كما طلب النائب. كما انتهت من دون فتح تحقيق برلماني واسع في الوقائع التي عرضها. ثم اختفى الاستجواب تدريجيًا من المجال العام، كأن الجلسة التي استمرت ساعات طويلة لم تحدث قط.

ما بقي بعد ذلك لم يكن قرارًا برلمانيًا ولا تقرير لجنة تحقيق، بل ذكرى موقف. موقف نائب آمن أن البرلمان ليس غرفة صمت، وأن النائب الحقيقي لا يقف تحت القبة ليزين المشهد، بل ليكشف ما يجب كشفه.

السياسة في مصر مرت بمراحل كثيرة، لكن اللحظات التي يعلو فيها صوت الرقابة الحقيقية تبقى دائمًا علامات مضيئة في تاريخها. لأن البرلمانات لا تُقاس بعدد المقاعد، بل بقدرتها على مساءلة السلطة حين يجب السؤال.

حين أستعيد اليوم صورة علوي حافظ لا أراه في قاعة البرلمان فقط. بل أراه جالسًا في شرفة بيته في المنيل، يطل على النيل، يتحدث بحماسة عن مصر، وعن السياسة، وعن ذلك الحلم القديم بدولة عادلة لا يخاف فيها نائب من الكلام، ولا يخاف فيها الوطن من الحقيقة.

تمر السنوات، وتتغير الأسماء، لكن بعض الوجوه تظل حاضرة في الذاكرة الوطنية. لأن التاريخ الحقيقي لا يكتبه المنتصرون فقط… بل يكتبه أيضًا أولئك الذين امتلكوا شجاعة السؤال.

وهكذا يبقى علوي حافظ واحدًا من الوجوه التي لا تغيب.

https://www.google.com/imgres?imgurl=https://img.youm7.com/large/201905260127312731.jpg&tbnid=bHC1b9_L-fb-IM&vet=1&imgrefurl=https://www.youm7.com/story/2019/5/29/%25D8%25AA%25D8%25B9%25D8%25B1%25D9%2581-%25D8%25B9%25D9%2584%25D9%2589-%25D9%2582%25D8%25B5%25D8%25A9-%25D8%25B9%25D9%2584%25D9%2588%25D9%2589-%25D8%25AD%25D8%25A7%25D9%2581%25D8%25B8-%25D8%25B5%25D8%25A7%25D8%25AD%25D8%25A8-%25D8%25A3%25D8%25B4%25D9%2587%25D8%25B1-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A7%25D8%25B3%25D8%25AA%25D8%25AC%25D9%2588%25D8%25A7%25D8%25A8%25D8%25A7%25D8%25AA-%25D9%2581%25D9%2589-%25D8%25AA%25D8%25A7%25D8%25B1%25D9%258A%25D8%25AE/4258662&docid=P9tcm9egm1MusM&w=380&h=200&hl=ar-EG&source=sh/x/im/m1/0&kgs=44a5a87ea5540c03&shem=shrtsdl&utm_source=shrtsdl,sh/x/im/m1/0

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى