
في الشرق الأوسط لا تبدأ الحروب حين تُطلق الصواريخ، بل حين تُصاغ الروايات.
إسرائيل والولايات المتحدة تعلنان ضرب إيران وقتل قادتها في عمليات عسكرية موثقة ومعلنة، ويُحتفى بذلك سياسيًا وإعلاميًا. إيران ترد بضربات موجهة نحو قواعد أمريكية وأهداف في الخليج.
الإعلام يتحدث عن “حرب شاملة”، بينما أعداد القتلى تُعد على أصابع اليدين.
والصورة البصرية لا تتجاوز أعمدة دخان هنا وهناك، وإسرائيل لا تُظهر خسائر تُذكر.
أين الحرب الشاملة إذن؟
وهل نحن أمام مواجهة كبرى أم أمام إدارة مدروسة لبناء صورة في الوعي الإقليمي؟
والهزيمة الحقيقية لا تقع في الميدان، بل في الوعي.
الفارق بين الحدث وروايته لم يعد تفصيلًا.
في زمن الصورة، أصبحت الرواية جزءًا من السلاح. الحدث قد يكون محدودًا، لكن اللغة المستخدمة قصوى. التأثير العسكري مضبوط، لكن التأثير النفسي مضخّم.
هنا تتحول المعركة من صراع صواريخ إلى صراع إدراك.
من يملك حق تعريف الواقع؟
في الحروب الكلاسيكية، كان حجم الدمار يسبق الرواية.
اليوم، الرواية تسبق الدمار، بل قد تحلّ محله. يُقدَّم الحدث كزلزال إقليمي، بينما الوقائع المادية محدودة نسبيًا.
لا خسائر إسرائيلية تُذكر، ورد إيراني محدود التأثير.
لكن الخطاب الإعلامي مشبع بلغة الحسم الوجودي.
هذا الفارق بين الواقع والصورة يثير سؤالًا فلسفيًا قديمًا.
هل نعيش الحدث، أم نعيش تمثيله؟
المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل في تشكيل الإدراك الجمعي.
والهزيمة الحقيقية لا تقع في الميدان، بل في الوعي.
أنا لست من مؤيدي نظام الملالي في إيران.
أراه نظامًا ديكتاتوريًا صلبًا، كثيرًا ما ضيّق على شعبه وصدّر أزماته. لكن ذلك لا يلغي حقيقة موضوعية: إيران تعرّضت لبدء الضربة العسكرية وقتل قياداتها. رفض الاستبداد لا يعني القبول باستباحة السيادة. العدل السياسي لا يُبنى على الكراهية الأيديولوجية.
المفارقة أن قطاعًا واسعًا من الإعلام العربي يركّز بإلحاح على الرد الإيراني.
ويقدّمه باعتباره التهديد الأكبر. كأن العدوان حين يصدر من حليف يصبح “إجراءً وقائيًا”، وحين يصدر من خصم يصبح “خطرًا وجوديًا”. هذه ليست مجرد ازدواجية خطاب، بل إعادة هندسة أخلاقية للوعي.
الجميع يتحدث عن “الخطر النووي الإيراني”.
لكن نادرًا ما يُطرح السؤال البسيط: ماذا عن المشروع النووي الإسرائيلي؟ إسرائيل تمتلك قدرات نووية معروفة ضمنيًا منذ عقود، خارج أي رقابة دولية ملزمة، ودون انضمام إلى معاهدة عدم الانتشار النووي، ومع ذلك يُتعامل مع هذا الواقع وكأنه حق طبيعي أو تفصيل لا يستحق النقاش.
لماذا يصبح امتلاك دولة ما لسلاح ردع تهديدًا كونيًا؟
بينما يصبح امتلاك دولة أخرى له أمرًا مسكوتًا عنه؟
إذا لم تكن هناك معايير موحدة، فالمشكلة ليست في السلاح.
بل في ميزان القوى الذي يحدد من يملك شرعية الامتلاك ومن يُمنع منها. ازدواجية المعايير لا تصنع أمنًا، بل تصنع احتقانًا دائمًا.
ثم يبرز سؤال آخر.
إذا كان الرئيس الأمريكي قد أعلن قبل أشهر القضاء على القدرة النووية الإيرانية، فلماذا يُعاد استدعاء الملف نفسه لتبرير تصعيد جديد؟ أم أن الهدف لم يكن نوويًا منذ البداية.
في السياسة الدولية لا تُخاض المعارك الكبرى من أجل الشعارات.
بل من أجل الممرات ومصادر الطاقة وموازين النفوذ. تحييد إيران أو إضعافها لا يؤثر فقط في الخليج، بل يمتد إلى حسابات الصين والطاقة وخرائط “الحزام والطريق”، ويُعيد تثبيت تفوق إسرائيلي إقليمي بلا منازع.
اليوم يبدو الإقليم كله وكأنه يعيش حالة انشطار سلوكي.
الخطاب يتحدث عن الاستقرار، بينما السياسات الفعلية لدول المنطقة تؤسس لعدم الاستقرار. تُرفع شعارات منع الانتشار النووي، بينما يُصمت عن ترسانة قائمة خارج أي رقابة. يُعلن السعي للأمن، بينما تُمارس سياسات تعمق الخلافات.
هذا هو الانشطار بعينه.
وعي بالمخاطر يقابله إصرار على السير نحوها. وحين يصبح الانشطار السلوكي حالة إقليمية لا فردية، فإن النتيجة ليست مجرد ارتباك، بل انتحار سياسي بطيء.
الانتحار الإقليمي لا يعني سقوطًا فوريًا.
بل يعني بناء منظومة أمن قائمة على اختلال دائم. قوة تفرض تفوقًا مطلقًا، وقوى أخرى تبحث عن ردع غير تقليدي، وسباق تسلح غير معلن، وشعوب يُعاد تشكيل وعيها على أساس الخوف لا العقل.
وحين يصبح الخوف هو المحرك، تختفي الحكمة.
لا يمكن لمصر هنا أن تكون متفرجًا.
مصر دولة ميزان بحكم الجغرافيا والتاريخ والقدرة العسكرية والحجم السكاني.
واليوم لا أرى التحالف المصري–السعودي خيارًا تكتيكيًا عابرًا.
بل أصبح فرض بقاء وجودي. مصر بثقلها العسكري والجغرافي، والمملكة العربية السعودية بثقلها الاقتصادي ومكانتها في قلب منظومة الطاقة، يشكلان معًا ركيزة استقرار لا يمكن الاستغناء عنها.
أي اختلال في هذه المعادلة يفتح الباب أمام فراغ استراتيجي.
تتسابق القوى الكبرى لملئه.
وفي لحظة إعادة رسم الخرائط، يصبح التنسيق الاستراتيجي أيضاً مع تركيا واجبًا لا ترفًا.
تركيا قوة إقليمية ذات عمق صناعي وعسكري وموقع يتحكم في ممرات حيوية بين آسيا وأوروبا. الاختلافات السياسية لا تُدار بالقطيعة، بل بإعادة تعريف المصالح المشتركة.
إذا أدركت القاهرة والرياض وأنقرة أن لحظة الهيمنة الأحادية تقترب.
فإن بناء شبكة توازن إقليمي متماسك يصبح شرطًا لحماية القرار الوطني لكل طرف.
البديل واضح وخطير.
قبول منطق التفوق غير القابل للمساءلة، والصمت عن ازدواجية المعايير، وترك تعريف الشرعية يُحتكر من طرف واحد.
عندها نكون قد كرّسنا انشطارًا سلوكيًا جماعيًا.
نعلن أننا نريد الاستقرار، ونتبنى سياسات تضمن اضطرابه.
الشرق الأوسط يحتاج كسر هذا الانشطار قبل أن يتحول إلى قدر.
إذا استمر منطق الهيمنة دون مراجعة، وإذا استمر الإعلام في هندسة وجدان الشعوب لقبول “اليد العليا الدائمة”، فإن الجميع بلا استثناء يشاركون في صناعة انتحار إقليمي طويل الأمد.
المعركة الحقيقية ليست في عدد الصواريخ، بل في عدد العقول التي تُعاد برمجتها.
حين يصبح الإعلام أداة تشكيل وجداني ممنهج، تصبح الحقيقة أول الضحايا.
السؤال لن يكون من ربح الجولة.
بل: هل نملك الشجاعة لكسر المسار قبل أن يصبح الانحدار هو القاعدة؟
فالتاريخ لا يرحم من يرى الخطر… ثم يختار الفرجة.







