شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: تعقيبًا على حوارٌ ليبرالي مع محمود أباظة.. التاريخ لا يُروى بنصف الحقيقة

لم يسبق لي، في ما أذكر من مسيرة امتدت لعقود، أن التقيت مع محمود أباظة في رأي كامل أو موقف سياسي جامع.

مساراتنا الفكرية بدت – منذ البدايات – متجاورة أكثر منها متطابقة، رغم أننا أبناء مرحلة سياسية واحدة تقريبًا، بل أبناء مدرسة عامة تشكّلت في ظل التحولات الكبرى التي عرفتها مصر منذ أواخر القرن الماضي.

معرفةٌ شخصية تتجاوز الأربعين عامًا بقليل تجعل من الصعب على رجل تجاوز الستين أن يعيد النظر في كل ما استقر في ذاكرته من تقييمات ومواقف. سنوات العمر تمنح الإنسان خبرة، لكنها تمنحه أيضًا قدرًا من الصلابة التي تجعل مراجعة الأحكام أمرًا بالغ العسر.

رغم ذلك تابعت اللقاء الذي أجرته الزميلة الإعلامية سوزان حرفي مع محمود أباظة في بودكاست «ليبرالي».

دافع المشاهدة لم يكن الفضول وحده، بل الرغبة في الاستماع إلى صوت قلّ ظهوره في الإعلام بطبيعته الشخصية، وهو ما جعل للحوار قيمة إضافية؛ إذ أتاح مساحة لرجل ظل غالبًا بعيدًا عن ضجيج الشاشات.

أكتب هذه الكلمات محاولة لتحرير بعض الملاحظات من ظلال العلاقة السياسية المتوترة التي ظلت قائمة بيني وبين محمود أباظة. توترٌ كان – في تقديري – أقرب إلى اختياره هو منه إلى اختياري أنا، لكنه ظل في كل الأحوال خلافًا سياسيًا لم يفسد عندي احترامًا لشخص أعرف فيه رقي الطبع وهدوء السجية.

أول ما استوقفني في هذا اللقاء كان ظهور منصة تحمل اسم «ليبرالي». اسم ليس مجرد عنوان إعلامي عابر، بل كلمة تختزن تاريخًا فكريًا وسياسيًا

يمتد في مصر لأكثر من قرن. سعادتي كانت مضاعفة لأن هذه المنصة تأتي تحت مظلة حزب العدل، الذي يرأسه الأخ العزيز والبرلماني الشاب عبد المنعم إمام؛ ذلك السياسي الذي يمثل – في نظري – أحد وجوه الجيل الجديد القادر على الجمع بين الحيوية الفكرية والحضور البرلماني الذكي.

أمل قديم يتجدد كلما ظهرت مبادرات من هذا النوع؛ أمل في أن يجد التيار الليبرالي المصري مظلته الجامعة المرنة، المظلّة التي تتسع بطبيعتها الشبكية لكيانات حزبية متعددة وشخصيات عامة يجمعها جوهر الفكرة وإن اختلفت مسارات التنظيم.

مشهد الحياة السياسية في مصر لا يخلو من شخصيات ليبرالية وازنة يمكن أن تشكل أعمدة هذا الفضاء الواسع. شخصيات تجددت مسؤولياتها الحزبية بانتخاب حر مثل الدكتور السيد البدوي والمهندس أكمل قرطام، وأخرى تخففت من الأعباء التنظيمية لتتفرغ للعطاء الفكري والسياسي مثل الأستاذ محمد أنور السادات والأستاذة جميلة إسماعيل ومحمود أباظة والدكتور هاني سري الدين.

حضور آخر لا يقل تأثيرًا يتمثل في شخصيات فكرية وسياسية أسهمت طويلًا في تشكيل الرأي العام المصري مثل الدكتور حسام بدراوي والدكتور أسامة الغزالي حرب والدكتور وحيد عبد المجيد، فضلًا عن جيل أكثر حيوية وحركة من الفاعلين السياسيين مثل الزميل إيهاب الخولي والعزيز المهندس حسام علي والابن الحبيب شادي العدل وكيل مؤسسي الحزب الليبرالي المصري تحت التأسيس.

تنوع هذه الأسماء واختلاف مواقعها لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه تشتتًا، بل بوصفه ثراء يمكن أن يتحول – إذا ما توافرت الإرادة – إلى طاقة جامعة تعيد للفكرة الليبرالية حضورها التاريخي في الحياة العامة.

ثاني ما أسعدني في هذا اللقاء كان عودة الزميلة سوزان حرفي إلى الشاشة، ولو عبر منصة بودكاست. ذاكرة الإعلام المصري تحتفظ لها بحضور مهني جاد منذ سنوات عملها على شاشة الجزيرة، حيث بدت دائمًا إعلامية تجمع بين الثقافة والمتابعة الدقيقة والاجتهاد المهني.

كثير من الوجوه الإعلامية الجادة لم تتح لها الفرص التي تستحقها، وسوزان حرفي – في تقديري – واحدة من هذه الوجوه التي ظلت تمتلك أدواتها المهنية رغم ضيق المساحات المتاحة أمامها. عودة صوت إعلامي رصين إلى المجال العام تظل دائمًا علامة صحة في أي فضاء إعلامي.

أما ثالث ما لفت انتباهي بعد المشاهدة الثانية للحلقة فهو أن الحوار بدا – في مجمله – تعبيرًا واضحًا عن زاوية نظر خاصة في قراءة كثير من الأحداث التي مرت على مصر عمومًا، وعلى حزب الوفد على وجه الخصوص.

قد يختلف المرء مع هذه القراءة قليلًا أو كثيرًا، وربما أجد نفسي مختلفًا مع بعض ما قيل اختلافًا كبيرًا، لكن قيمة الحوار تظل في أنه يقدّم رواية من داخل التجربة، رواية رجل عاش تلك اللحظات وكان جزءًا من مساراتها.

لحظة إنسانية بدت لي واضحة خلال الحديث؛ لحظة كشفت عن قدر من الاستقرار النفسي والصحي لدى محمود أباظة، وهو أمر أسعدني على المستوى الشخصي قبل أي اعتبار آخر. السياسة فرّقت بيننا أكثر مما جمعتنا، لكن الاحترام ظل حاضرًا في وجداني لرجل أعرف فيه رقي الشخصية ونبل الأسلوب.

كل ما سبق يمكن اعتباره – بلغة المحاماة – مقدمات تتصل بالشكل قبل الموضوع.

أما من حيث الموضوع ذاته، فثمة ملاحظات أراها جديرة بالطرح والنقاش، لا بوصفها حقيقة نهائية، بل باعتبارها زاوية نظر أخرى في قراءة ما قيل في هذا الحوار.

أول هذه الملاحظات يتصل ببعض المعلومات التي وردت في تقديم الزميلة سوزان حرفي لشخص محمود أباظة. بعض تلك المعلومات كنت أتوقع – بحكم المعرفة والتاريخ المشترك – أن يبادر محمود أباظة إلى تصويبها أو استكمالها في مطلع حديثه.

مع ذلك، لا يسعني إلا أن أشكره على ذكر واقعة لم تكن قد بلغت علمي من قبل، وهي ما أشار إليه من أن وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي طمأن الدكتور نعمان جمعة إلى أنه سيمنعني من خوض أول انتخابات رئاسية تعددية في تاريخ مصر، وأنه سيكون المرشح الوحيد للمعارضة في مواجهة الرئيس الأسبق حسني مبارك.

واقعة كهذه لا أملك إزاءها إلا أن أرجّح صدق رواية محمود أباظة، خاصة أنني أعرف طبيعة العلاقة التي كانت تربط بين الوزير حبيب العادلي وشقيق زوجة الدكتور نعمان جمعة الراحلة الدكتورة سلوى، وهو اللواء المهتدي بالله جبر، الذي كان زميلًا للعادلي في جهاز أمن الدولة قبل أن يخلفه لاحقًا في مواقع أمنية عدة.

صلة الرجلين المهنية وتاريخ خروجهما من الخدمة بقرار واحد من وزير الداخلية الراحل حسن الألفي، ثم عودتهما لاحقًا بحكم من محكمة القضاء الإداري، تجعل تلك الرواية – في تقديري – قابلة للتصديق.

أمنية واحدة فقط كانت تراودني أثناء الاستماع إلى هذه الواقعة: كنت أتمنى أن يتوقف محمود أباظة قليلًا ليحدثنا عن موقفه الشخصي منها.

خريج كلية الحقوق يعرف يقينًا أن وعدًا كهذا من وزير للداخلية لا يستقيم مع صحيح نص المادتين 76 و77 من دستور 1971 اللتين كانتا تحكمان العملية الانتخابية في ذلك الوقت. سياسي يقف تحت راية الفكر الليبرالي يفترض به – قبل غيره – أن يرفض سياسيًا وأخلاقيًا فكرة الإقصاء القسري من خارج صندوق الانتخاب، وأن يرى في المنافسة الحرة جوهر الفكرة الليبرالية ذاتها.

مفارقة أخرى بدت لي جديرة بالتأمل؛ إذ إن حديث الوعد بأن يكون الدكتور نعمان جمعة المرشح الوحيد للمعارضة لا يتسق مع حقيقة ثابتة…

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى