
يُعدّ «عقد الذمة» من أكثر المفاهيم التي أُسيء استخدامها، في الجدل حول الإسلام وحرية الرأي والتعايش. فبين من يقدّمه بوصفه نظام حماية متقدّمًا في زمنه، ومن يختزله في صورة إذلال وتمييز، ضاعت القراءة التاريخية المتوازنة، وحلّت محلها إسقاطات معاصرة لا تنتمي إلى سياق التجربة ولا إلى شروطها.
عقد الذمة… في سياقه التاريخي:
ظهر عقد الذمة في مرحلة كانت الدولة تُعرّف فيها نفسها على أساس ديني أو إثني، ولم تكن فكرة «المواطنة المتساوية»
قد تبلورت بعد في أي حضارة.
في هذا السياق، كان عقد الذمة محاولة لتنظيم علاقة
بين دولة ذات مرجعية إسلامية ومجتمعات دينية مختلفة تعيش داخلها.
لم يكن الهدف إلغاء الآخر،
ولا إجباره على تغيير عقيدته،
بل تحديد الحقوق والواجبات
في إطار سياسي واحد.
الحماية قبل الجزية:
المفارقة التي يغفلها كثيرون
أن عقد الذمة لم يكن مجرد التزام مالي،
بل عقد حماية.
فالدولة، بموجب هذا العقد،
كانت تلتزم:
• بحماية النفس والمال،
• وصيانة دور العبادة،
• وعدم التدخل في الشؤون الدينية الخاصة.
أما الجزية، فلم تكن عقوبة على العقيدة،
بل مقابلًا للإعفاء من الخدمة العسكرية
في زمن كانت الحرب فيه واجبًا على المسلمين فقط دون غيرهم.
أين بدأت المشكلة؟
المشكلة لم تكن في أصل العقد،
بل في بعض تطبيقاته اللاحقة.
حين ضعفت الدولة،
وتحوّل الدين إلى أداة تمييز،
اختل التوازن بين الحقوق والواجبات،
وتحوّل ما كان نظام حماية
إلى ممارسة إقصاء.
وهنا، لا بد من التفريق بين المبدأ وسوء التطبيق.
عقد الذمة وحرية الرأي:
الأهم في هذا السياق أن عقد الذمة لم يُلغِ حرية الاعتقاد، ولا حرية التعبير الديني لغير المسلمين.
بل سمح بوجود تنوع ديني وفكري داخل الدولة الإسلامية في زمن كانت فيه الإقصاءات هي القاعدة في معظم أنحاء العالم وبخاصة في أوربا.
لماذا يُستدعى العقد اليوم؟
يُستدعى غالبًا
لا لفهمه،
بل لتوظيفه.
إما لإدانة الإسلام جملة،
أو لتبرير ممارسات تمييزية
لا تنتمي إلى روح العصر
ولا إلى مقاصد النص.
وفي الحالتين،
يُختزل التاريخ،
ويُختطف المعنى.
ماذا نتعلّم من هذه التجربة؟
نتعلّم أن:
• المفاهيم التاريخية لا تُقرأ خارج زمنها،
• ولا تُستخدم لتبرير ظلم معاصر،
• ولا تُدان دون فهم سياقها.
والأهم،
أن الإسلام، في تجربته الأولى،
لم يبنِ تعايشه مع الآخر
على الإكراه،
بل على العقد.
وإن عقد الذمة بات في ذمة التاريخ منذ نشوء دولة المواطنة، حيث اشترك المسيحي والمسلم في الدفاع عن الوطن وطرد المستعمر وتأسيس الدولة القومية الحديثة.
هنا سقطت شروط العقد وبات في ذمة التاريخ، وأصبح أي استدعاء سياسي له من أي فريق هو استدعاء مغرض لغرض سياسي محض، لا علاقة له بالتقييم الموضوعي له.في الحلقة القادمة،
سننتقل إلى سؤال أكثر حساسية،
ونسأل:
حرية الرأي والتعبير في العصرين الأموي والعباسي… ازدهار أم تضييق؟







