ثقافة وتاريخحدث في مثل هذا اليوممصرملفات وتقارير

“نموت نموت و تحيا مصر” ثورة 1919 و صفحات من تاريخ مصر

لاقى الشعب المصري من صنوف الظلم و القسوة على يد المحتل البريطاني خلال الاربع سنوات فترة الحرب العالمية الاولى و صدر ضده الاحكام العرفية ، ففي الريف كانت تصادَر ممتلكات الفلاحين من ماشية ومحصول لأجل المساهمة في تكاليف الحرب، كما حرصت السلطات العسكرية على إجبار الفلاحين على زراعة المحاصيل التي تتناسب مع متطلبات الحرب، وبيعها بأسعار قليلة. وتم تجنيد مئات الآلاف من الفلاحين بشكل قسري للمشاركة في الحرب فيما سمي بـ “فرقة العمل المصرية” التي استخدمت في الأعمال المعاونة وراء خطوط القتال في سيناء وفلسطين والعراق وفرنسا وبلجيكاو غيرها .

تدهورت الأوضاع المعيشية لسكان الريف و المدن نتيجة نقص السلع بشكل حاد ، وشهدت مدينتي القاهرة والأسكندرية مظاهرات للعاطلين ومواكب للجائعين تطورت أحيانا إلى ممارسات عنيفة تمثلت في النهب والتخريب . و لم تفلح إجراءات الحكومة لمواجهة الغلاء، مثل توزيع كميات من الخبز على سكان المدن ، كذلك تعرض العمال ونقاباتهم لهجوم بسبب إعلان الأحكام العرفية وإصدار القوانين التي تحرم التجمهرو الإضراب .
لم يكتف المحتل البريطاني بذلك بل تدخل في شئون الدولة بالإضافة الى إلغاء الدستور المصرى وفرض الحماية.

ونتيجة لكل ما سبق ، قام ثلاثة من أعضاء الجمعية التشريعية، هم سعد زغلول وعلي شعراوي وعبد العزيز فهمي، بمقابلة المندوب السامي البريطاني مطالبين بالاستقلال. وأعقب هذه المقابلة تأليف الوفد المصري، وقامت حركة جمع التوكيلات الشهيرة بهدف التأكيد على أن هذا الوفد يمثل الشعب المصري في السعي إلى الحرية. وطالب الوفد بالسفر للمشاركة في مؤتمر الصلح لرفع المطالب المصرية بالاستقلال. وإزاء تمسك الوفد بمطلبه ، وإزاء تعاطف الشعب معه ، قامت السلطات البريطانية بالقبض على سعد زعلول وثلاثة من أعضاء الوفد هم محمد محمود وحمد الباسل وإسماعيل صدقي، ورحلتهم إلى مالطة في الثامن من مارس عام 1919. وكان ذلك إيذانا بقيام الثورة التي اجتاحت جميع انحاء البلاد، وتصدت لها القوات البريطانية وقوات الأمن المصرية بأقصى درجات العنف.

أحداث الثورة

في اليوم التالي لاعتقال الزعيم الوطني المصري سعد زغلول وأعضاء الوفد، أشعل طلبة الجامعة في القاهرة شرارة التظاهرات. وفي غضون يومين، امتد نطاق الاحتجاجات ليشمل جميع الطلبة بما فيهم طلبة الازهر. وبعد أيام قليلة كانت الثورة قد اندلعت في جميع الأنحاء من قرى ومدن. ففي القاهرة قام عمال الترام بإضراب مطالبين بزيادة الأجور وتخفيض ساعات العمل وغيرها ، وتم شل حركة الترام شللا كاملا ، تلا ذلك إضراب عمال السكك الحديدية ،ولم يكتف هؤلاء بإعلان الإضراب، بل قاموا بإتلاف محولات حركة القطارات و ابتكروا عملية قطع خطوط السكك الحديدية – التي أخذها عنهم الفلاحون وأصبحت أهم أسلحة الثورة .

وأضرب سائقو التاكسي وعمال البريد والكهرباء والجمارك ، تلا ذلك إضراب عمال المطابع وعمال الفنارات والورش الحكومية ومصلحة الجمارك بالاسكندرية .
ولم تتوقف احتجاجات المدن على التظاهرات وإضرابات العمال، بل قام السكان في الأحياء الفقيرة بحفر الخنادق لمواجهة القوات البريطانية وقوات الشرطة، وقامت الجماهير بالاعتداء على بعض المحلات التجارية وممتلكات الأجانب وتدمير مركبات الترام .

انتشرت التظاهرات في العديد من المدن والأقاليم المصرية وكانت القاهرة والأسكندرية وطنطا من أكثر تلك المدن اضطرابًا ، الأمر الذي أدى السلطات البريطانية إلى الافراج عن سعد زغلول وزملائه، والسماح لهم بالسفر لباريس . وصل الوفد المصري إلى باريس في ١٨ إبريل، وأُعلنت شروط الصلح التي قررها الحُلفاء، مؤيدة للحماية التي فرضتها إنجلترا على مصر.

ثم قامت لجنة ملنر للوقوف على أسباب هذه التظاهرات، والذى دعا فيها اللودر ملنر الوفد المصرى فى باريس للذهاب إلى لندن للتفاوض مع اللجنة، وأسفرت المفاوضات عن مشروع للمعاهدة بين مصر وانجلترا، لكن الوفد رفض المشروع وتوقفت المفاوضات، ثم استؤنفت المفاوضات مره أخرى، فقدمت لجنة ملنر مشروعا اخرا، فقام الوفد بعرض المشروع على الرأى العام المصرى وقدموا له تحفظات المصريين على المعاهدة، فرفض ملنر المناقشة حول هذه التحفظات، فغادر الوفد لندن، ووصل إلى باريس، دون أى نتيجة،ثم دعت بريطانيا المصريين إلى الدخول فى مفاوضات لإيجاد حل مناسب مع مصر، ولكن لم تنجح المفاوضات بعد رفضها لمشروع المعاهدة، فقام سعد زغلول على حث المصريين على مواصلة التحرك ضد الإحتلال البريطانى، فقامت السلطات البريطانية باعتقاله ونفيه الى سيشيل مع عدد من زملائه .

وفي 28 من فبراير حققت الثورة مطلبها، فقامت بريطانيا بإلغاء الحماية المفروضة على مصر و صدر الدستور المصري وقانون الانتخابات وألغيت الأحكام العرفية؛ مع ذلك لم تستطع الثورة تحقيق الاستقلال التام، فقد بقيت القوات البريطانية متواجدة في مصر.

إذا ما تغاضينا على الاستقلال الشكلي الذي منحته بريطانيا لمصر في فبراير عام ١٩٢٢ ، فأنه قد كانت لها آثارا مهمة على تطور الحركة الديمقراطية والنقابية. فقد أسفرت عن نشأة حزب الوفد وأحزاب الأقليات ووضع أول دستور لمصر في عام ١٩٢٣ وقيام أول حكومة منتخبة هي حكومة الوفد. من ناحية أخرى أدت ثورة ١٩١٩ إلى بعث الحركة النقابية التي كانت قد أصيبت بموات خلال فترة الحرب، فتشكلت العديد من النقابات، وانبثقت حركة إضرابات قوية في الأعوام التالية. في الوقت نفسه، فقد نبهت الثورة الطبقات العليا من البرجوازية وكبار الملاك إلى خطورة التحرك الجماهيري، ومن هنا كان حظر الوفد للحزب الشيوعي وسعيه للسيطرة على الحركة النقابية.
“الصورة مشهد من ثورة 1919” .

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى