
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ
مع اتساع رقعة الصراع الدائر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم تعد المواجهة محصورة في الضربات العسكرية أو استهداف القواعد والمصالح في منطقة الشرق الأوسط. فكما هي الحال في معظم الحروب الحديثة، تجري معركة أخرى موازية لا تقل خطورة وتأثيرًا عن المعركة العسكرية، وهي معركة الوعي والسردية.
وما يظهر اليوم بوضوح على وسائل التواصل الاجتماعي في العالم العربي والإسلامي يؤكد أن هذه المعركة أصبحت بالفعل جزءًا من المشهد. فالنقاشات المحتدمة، والانقسامات الحادة، وتبادل الاتهامات بين الناس، تعكس حالة استقطاب متصاعدة تنذر بأزمة وعي عميقة تضرب تماسكنا الداخلي في لحظة إقليمية لا تحتمل مزيدًا من التصدع.
غير أن أول ما يجب التنبه إليه هو أن قراءة هذا الصراع بمنطق الثنائية المبسطة تمثل في حد ذاتها خطأً استراتيجيًا. فالمشهد لا يُقرأ فقط من زاوية: من مع من؟ بل من زاوية أعمق: ما طبيعة كل مشروع؟ وما مستوى خطورته؟ وما أثره المباشر على حاضر الأمة ومستقبلها؟ لأن الخلل الأكبر في كثير من الكتابات هو أنها تخلط بين التهديد الوجودي، والخطر الإقليمي، والخلافات البينية داخل مجتمعاتنا، فتضعها كلها في سلة واحدة، وتنتج بذلك ضبابًا فكريًا أكثر مما تنتج وعيًا سياسيًا.
البعض ينظر إلى ما يحدث باعتباره مواجهة ضرورية مع مشروع الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية، ويرى في استهداف مصالح هذا المحور امتدادًا طبيعيًا لصراع وجودي حول الأرض والسيادة والهوية. وفي المقابل، يدرك آخرون أن إيران ليست مجرد فاعل عابر في هذه الحرب، بل دولة ذات مشروع إقليمي توسعي، وأن سياساتها في عدد من الساحات العربية، كما في سوريا والعراق واليمن ولبنان، لم تكن مجرد أخطاء سياسية عابرة، بل تدخلات خلّفت شروخًا طائفية عميقة، وأنتجت مآسي دامية، وفتحت جراحًا لا تزال تنزف حتى اليوم.
ولهذا فإن الحديث عن أولوية الخطر لا يجوز أن يتحول إلى تبرئة لطرف آخر، كما أن استدعاء ذاكرة الجراح العربية لا ينبغي أن يدفع إلى عمى سياسي يفقدنا القدرة على ترتيب التهديدات. فالمشروع الصهيوني المدعوم أمريكيًا يظل في هذه اللحظة الخطر الأعظم والأوضح من حيث طبيعته الاستئصالية المباشرة، لأنه يستهدف الأرض والهوية والوجود، ويمثل مشروعًا معلنًا للتفوق والقهر وإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم بقاءه وهيمنته. أما المشروع الإيراني، فعلى ما فيه من نزعة توسع ونفوذ وتلاعب بالتوازنات العربية، فإنه يبقى خطرًا إقليميًا يجب التصدي له بوعي، لكن دون أن يؤدي ذلك إلى تمييع الفارق بين مشروع يريد اختراق المنطقة، ومشروع آخر يريد ابتلاعها وتفتيتها من جذورها.
ومن هنا تكتسب قاعدة الفقه السياسي المعروفة، “ارتكاب أخف الضررين لدفع أعظمهما”، أهميتها العملية. فهذه القاعدة لا تعني التواطؤ الأخلاقي، ولا تعليق الذاكرة، ولا منح صكوك غفران لأحد، وإنما تعني امتلاك البوصلة في لحظة الضباب. ومعنى ذلك أن نحدد الضرر الأعظم بدقة، وأن نتعامل معه على هذا الأساس، دون أن ننسى بقية الأخطار أو نقلل من آثارها. فالوعي السياسي الرشيد لا يقوم على الإنكار، بل على الترتيب.
وفي خضم هذا كله، يجب التفريق بوضوح بين الاجتهادات المقبولة التي قد تصدر عن مخلصين هنا وهناك، وبين الخطابات التي تشكل جزءًا من معركة السردية ذاتها. فليس كل من اختلف معنا في تقدير الموقف مأجورًا أو مغيبًا أو خائنًا، وقد يصل أناس صادقون إلى نتائج مختلفة بحسب ما يملكونه من معطيات أو بحسب ما يقدّرونه من أولويات. لكن في المقابل، ليس كل ما يُبث على المنصات اجتهادًا بريئًا؛ فالحروب الحديثة تُدار كذلك عبر الجيوش الإلكترونية، والحملات الممولة، والتضليل المنظم، وصناعة الانفعال الجمعي، وتوجيه الجماهير نحو التخوين المتبادل وفقدان الثقة بكل مرجعية جامعة.
وهنا تحديدًا تتجلى خطورة معركة الوعي. فالمطلوب من هذه الحملات ليس فقط إقناعك بسردية معينة، بل دفعك إلى كراهية محيطك، والشك في مجتمعك، والنظر إلى أخيك في الوطن أو في الأمة باعتباره خصمًا أول، بينما يتراجع العدو الحقيقي إلى الخلف مستفيدًا من اتساع الشقوق بيننا. وهذه هي النقطة التي أدركها المستعمر قديمًا وحديثًا: أن تفكيك المجتمعات من الداخل أقل كلفة من كسرها من الخارج.
ولذلك لم تكن قاعدة “فرّق تسد” مجرد شعار تاريخي، بل كانت وما تزال آلية عمل مستمرة في إدارة الصراعات الكبرى. وحين ننظر إلى الطريقة التي يُدار بها الجدل العربي والإسلامي اليوم حول الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل، ندرك أن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نستورد المعركة كما هي، ثم نعيد خوضها داخل بيوتنا ومجتمعاتنا، فنمنح الخارج ما يريد: مجتمعات منقسمة، وذاكرة مشوشة، وبوصلة مضطربة.
ومن هنا يحسن أن نستدعي المقولة العربية الخالدة: “أُكِلْتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض”. لكن فهمها في واقعنا الراهن يحتاج إلى دقة. فالثيران هنا ليست المحاور الإقليمية المتصارعة، وإنما نحن، شعوب هذه المنطقة ومجتمعاتها. أما الذئاب، فهي كل المشاريع الخارجية التي تتغذى على ضعفنا، سواء جاءت بلباس الاحتلال المباشر، أو بغطاء الهيمنة الدولية، أو برداء التمدد الإقليمي. وحين نسمح لخلافاتنا حول تفسير الصراع أن تتحول إلى تمزيق لنسيجنا الداخلي، نكون قد بدأنا بالفعل طريق الافتراس.
إن المنطقة تمر بمرحلة شديدة الحساسية، وقد لا نستطيع كأفراد إيقاف الحروب التي تدور بين الدول والقوى الكبرى، لكننا نستطيع، بل يجب علينا، أن نمنع تحويل مجتمعاتنا إلى ساحات حرب أهلية معنوية، تتآكل فيها الثقة، ويضيع فيها معيار الأولويات، ويعلو فيها صوت التحريض على صوت العقل. فالقوة الحقيقية لأي مجتمع لا تُقاس فقط بامتلاكه السلاح، بل بامتلاكه وعيًا يميز بين العدو الأخطر، والخطر القائم، والخلاف الممكن، والدعاية المقصودة.
فالمعارك قد تُخسر في الميدان، لكن الأمم لا تنهار إلا عندما تخسر معركة الوعي.
وفي النهاية، تبقى الآية الكريمة التي بدأنا بها هذا المقال دعاءً جامعًا يتجاوز ضجيج السياسة وصخب الحروب:
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ.





