رياضةملفات وتقارير

أزمة العنصرية في كرة القدم تضع اللوائح الدولية أمام اختبار العدالة الانتقائية

تواجه المنظومة الرياضية الدولية تحديات متزايدة في السيطرة على أزمة العنصرية في كرة القدم التي باتت ظاهرة ممتدة تتجاوز قدرة القوانين الحالية على الردع الفعال، حيث كشفت التقارير الرسمية الصادرة عن الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا أن معدلات الانتهاكات لم تسجل تراجعا ملموسا خلال السنوات الأخيرة، بل انتقلت بوضوح من المدرجات التقليدية إلى الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي التي ضاعفت من حدة الإساءات الموجهة ضد اللاعبين خارج نطاق السيطرة الميدانية المعتادة في المباريات.

تعتمد الهيئات الكروية الكبرى منظومة عقوبات تشمل الغرامات المالية وإغلاق المدرجات وخصم النقاط، غير أن دراسات صادرة عن دار نشر جامعة كامبريدج أوضحت أن هذه الإجراءات تظل مجرد رد فعل لضغوط معينة، ولا تلمس جوهر الأزمة خاصة لدى الأندية الكبيرة التي تمتلك القدرة على امتصاص الخسائر المالية دون تغيير سلوكها المؤسسي، وهو ما يعزز أزمة العنصرية في كرة القدم ويجعل العقوبات تفتقر إلى عنصر الردع الحقيقي المطلوب لإنهاء هذه الممارسات العدائية بشكل نهائي وجذري.

تفاوت المعايير وتأثير القيمة السوقية على القرارات الانضباطية

تبرز قضية اللاعب البرازيلي فينيسيوس جونيور نجم ريال مدريد كنموذج واضح على تفاوت حجم الإدانة وسرعة اتخاذ القرارات، حيث تحظى الوقائع المرتبطة بالنجوم الكبار بضغوط تدفع الاتحادات للتحرك العاجل عكس ما يحدث مع لاعبين أقل شهرة، وأكد معهد رويترز لدراسة الصحافة أن الشهرة والقيمة السوقية تتدخلان مباشرة في تشكيل التوجهات الرسمية، مما يكرس مفهوم العدالة الانتقائية ويجعل معالجة أزمة العنصرية في كرة القدم تخضع لاعتبارات تجارية وتسويقية بحتة بعيدا عن المبادئ الأخلاقية المعلنة.

تظهر بيانات منظمة كيك إت آوت البريطانية تسجيل أعلى عدد من التجاوزات خلال موسم 2022-2023 بنسبة ارتفاع وصلت إلى 65% مقارنة بالموسم السابق له، وهو ما يشير إلى فشل ذريع في كبح سلوك الجماهير، وترى تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش أن هذا الإخفاق يرتبط بغياب معالجة الجذور الثقافية والاجتماعية وتفاوت تطبيق اللوائح بين الأندية، مما يؤدي إلى تفاقم أزمة العنصرية في كرة القدم وتحولها إلى أداة للهجوم المنظم الذي يستهدف تدمير الحالة النفسية والمهنية للرياضيين.

تراجع المبادئ وتناقض المواقف الرسمية داخل الساحة الرياضية

شهدت الملاعب تحولات حادة في مواقف بعض الشخصيات الرياضية مثل البرتغالي جوزيه مورينيو مدرب بنفيكا الحالي، الذي انتقل من تبني الخطاب الرسمي المناهض للتمييز إلى موقف دفاعي في واقعة ارتبطت بلاعبه الأرجنتيني جيانلوكا بريستياني، وجاء ذلك عقب توجيه الأخير إساءات إلى فينيسيوس جونيور في إحدى مباريات دوري أبطال أوروبا، وهو ما يعكس تراجع الثوابت عند تقاطعها مع المصالح الشخصية للأندية، مما يضعف الجهود الرامية إلى إنهاء أزمة العنصرية في كرة القدم ويؤكد وجود فجوة كبيرة.

تشير المتابعات التاريخية إلى أن التمييز كان سلوكا علنيا في الملاعب الأوروبية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث جرى التعامل مع الإهانات كجزء من أجواء اللعبة مما تسبب في ترسيخ الأزمة عبر الأجيال المتعاقبة، ومع غياب الآليات الصارمة لتنفيذ اللوائح تظل أزمة العنصرية في كرة القدم قائمة وتهدد سلامة المنافسة، خاصة مع خضوع القرارات لاعتبارات الشهرة التي تمنح نجوما مثل فينيسيوس جونيور زخما كبيرا بينما يظل الآخرون يعانون من تجاهل المؤسسات الرياضية والقانونية الدولية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى