مقالات وآراء

حنان البدري تكتب: اليوم الرابع… مفاجآت الحرب على إيران — ورطة ترامب وخطر حماقة نتنياهو “النووي”

الاعداد الحقيقية للقتلى الأمريكيين وتكلفة الحرب تروع أعضاء لجنة الاستخبارات بالكونجرس

مع كل دقيقة، وليس ساعة، تتصاعد المواجهات والتصعيد بدرجة تقذف بكل السيناريوهات إلى حرب تتسع وتمتد، ومرشحة بالتأكيد للاستمرار ليس لشهور حسب توقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بل ربما لأكثر. وبعد ثلاثة أيام تقريبًا من بدء العمليات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والتي امتدت نحو بلدان أخرى ككرات من النار المشتعلة تقذف على نطاق واسع ومتعدد،

وتحديدًا مع بدايات اليوم الرابع بدأت تتوالى أنباء حول الخسائر الأمريكية في تلك الحرب لتشعل الأجواء على الساحة السياسية الأمريكية، لاسيما في أروقة الكونجرس، حيث تعالت مطالب بإجبار الرئيس الأمريكي على الذهاب للكونجرس لطلب إذن بالحرب، ومطالب أخرى بفحص تكلفة أمريكا في هذه الضربات التي جاءت بقرار منفرد من الرئيس.

وبدوره سارع الأخير بإرسال كل من وزيري الخارجية والدفاع ورئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية إلى جلسة إحاطة مغلقة مع أعضاء لجان الاستخبارات، ويبدو أن المعلومات السيئة حول سير الأمور في تلك الحرب، لاسيما العدد الحقيقي لقتلى القوات الأمريكية، كانت مفاجأة غير سارة على الإطلاق.

فعلى غير ما يعلن في وسائل الإعلام الدولية والأمريكية، فإن الواقع – والذي تسرب عبر عديد من المصادر المراقبة للأوضاع – مختلف عما يروج له وتعلنه إدارة ترامب.

وقد قال مستشار سابق للرئيس ترامب، وهو الكولونيل المتقاعد دوجلاس ماكروجر، كبير مستشاري وزير الدفاع الأمريكي الأسبق: إن الولايات المتحدة غير مستعدة للدخول في حرب طويلة، ولن يكون هناك إنزال بري لقوات أمريكية لأنه ببساطة لم يعد لدينا الأعداد الكافية للإنزال البري، مضيفًا بأن إيران قصفت كل القواعد الأمريكية في المنطقة بما في ذلك القاعدة في إنجرليك بتركيا، مما تسبب في أزمة كبيرة للقوات الأمريكية بالمنطقة. وأضاف ماكروجر بأن هذه الحرب مطلب إسرائيلي بالأساس، وقال: “نحن لم نكن مستعدين لتلك الحرب، ولكن قررنا تأييد إسرائيل، نتنياهو لديه نفوذ في واشنطن وترامب مدين بفوزه لمليارديرات صهاينة”.

كان هذا كلام رجل عسكري سبق له العمل بإدارة الرئيس ترامب.

الترتيب والتخطيط لهذه الحرب بدأ منذ أشهر، حيث وضعت تصورات توجيه الضربات بضغط من بنيامين نتنياهو واللوبي الداعم له في واشنطن، عجل بها قراءتهم لردة الفعل الإيرانية بعد حرب الاثني عشر يومًا.

وعلى أساس تقدير وأنشطة استخباراتية تمت بالتعاون مع إسرائيل، وضع تصور انفجار الشارع الإيراني نتيجة سنوات من العقوبات المفروضة على إيران، والتي أثرت داخليًا على الوضع الاقتصادي، ناهيك عن القمع السياسي والثقافي.

ولذا رأينا الرئيس الأمريكي وأفراد إدارته يخرجون بتصريحات تبدو متناقضة حول الغرض من توجيه تلك الضربات فجأة أثناء استمرار المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني.

فتارة يرجعون الأمر لمنع إيران من امتلاك برنامج نووي، وتارة أخرى يضيفون مسألة الصواريخ الباليستية، قبل أن يتحول الحديث إلى تغيير النظام كهدف أساسي.

المفاجأة جاءت في اليوم الرابع حين بدأ الحديث عن تعرض معظم القواعد الأمريكية في منطقة الخليج العربي وحتى البحر المتوسط للقصف بدرجة لم تعد تصلح للقيام بالدعم اللوجستي للقوات الأمريكية، لدرجة القيام بالتفاوض مع الهند كي تقدم موانئها القريبة هذا الدعم، إلا أن البحرية الأمريكية وجدت استحالة لتنفيذ ذلك الأمر لأسباب فنية بحتة.

وحتى نستعرض ونسبر حقيقة ما حدث ويحدث فعلاً، أرى أن علينا العودة إلى الوراء لعقود طويلة حاولت خلالها واشنطن التدخل لإسقاط وتغيير نظام الملالي، وكانت العقبة دومًا التفاف الإيرانيين حول النظام رغم رفضهم لممارساته، فقط بمجرد معرفة صلة واشنطن بتلك التدخلات.

وفقط منذ حوالي أربع سنوات أدركت واشنطن السبب، وجري اعتماد أسلوب جديد اعتمد على شبكة معقدة تعاملت مع الداخل الإيراني مستغلة ثورة الاتصالات، كما تمت الاستعانة بمساعدة إسرائيل استخباراتيًا، فوصلوا إلى الداخل الإيراني، لاسيما للقطاعات الساخطة بسبب الأوضاع الاقتصادية المتدهورة والممارسات القمعية.

وقد ساعد هذا المخطط ما يمكن وصفه بتعالي وغشومية نظام لو كان نظر بعين الاهتمام لتطلعات وحاجات شعبه لأمكن درء هذا الترصد. ومع ذلك كان الموضوع معقدًا للغاية، وكان البطل فيه – كما أسلفنا – تكنولوجيا الاتصالات وتطور أسلحة الاستهداف عن بعد، وكانت البروفة تتم تلو الأخرى: انتفاضات غير مسبوقة، وسقوط مروحية الرئيس، ثم البروفة النهائية بحرب الأيام الاثني عشر.

وبدأ لواشنطن أنه تم فتح الباب على مصراعيه لتحقيق الهدف الظاهر، وهو إسقاط النظام.

وجاءت مفاوضات ما قبل الحرب خطوة شكلية وتلككًا ومزاعم أشبه بما حدث قبل غزو العراق. صحيح كان المطلوب دومًا ولعقود تغيير النظام وإعادة إيران إلى الحظيرة الأمريكية، ولكن مع بدء تشغيل تروس النظام العالمي الجديد كان لابد من استعجال الأمر وإطلاق ما يسمى بمجلس السلام ليزيح تدريجيًا ولاحقًا صلاحيات الأمم المتحدة.

والذي بالمناسبة ستتخطى حدوده منطقتنا، ويدار بشكل منفرد، وطبعا هذا كله سيفتح الطريق أمام إسرائيل للتمدد ليس فقط في منطقتنا بل في الدائرة المحيطة بها أفريقيًا وآسيويًا، وبالتالي فرض خارطة جديدة تريد خلالها واشنطن ضمان السيطرة والإحلال في محيط الشرق الأوسط الكبير جدًا قبل التفرغ لمواجهات غير تقليدية مع العدو الأصفر الناهض.

وطبعًا فالنتيجة مفتوحة، ووارد أن تنتهي المواجهات بتقسيم جديد للكعكة الدولية، والأقوى هو من سيستحوذ على الجزء الأكبر.

هذا التصور الذي ضغط نتنياهو وحكومته اليمينية لتنفيذه عبر تغيير النظام في إيران بشتى الطرق والحجج سبقته أحداث أخرى ينبغي علينا وضعها في الحسبان لنفرد خارطة صحيحة للمشهد كله، ومنها:

  • ضربات الاثني عشر يومًا وتداعياتها.
  • اختطاف رئيس فنزويلا والسيطرة على نفطها.
  • زيارة نتنياهو الأخيرة لواشنطن ومعه رئيس القوات الجوية وآخرون، ويرجح أنه تم الاتفاق وقتها على موعد شن الضربات.
  • اندلاع الاشتباكات بين أفغانستان وباكستان، حيث تم الترتيب لتطويق إيران شرقًا ومنع استباقي لأي دعم قد يصل لها عبر هذه الجهة.
  • زيارة رئيس الوزراء الهندي مودي لإسرائيل.

كانت كلها خطوات لتحضير مسرح الأحداث لمشهد وواقع جديد مطلوب فرضه إقليميًا ودوليًا.

فما هي ملامح هذا المشهد الذي تلاقت فيه طموحات إسرائيل ومطامع ترامب ومصالح مصيرية أمريكية؟

هي باختصار التأكد من السيطرة على خطوط التجارة ومصادر الطاقة في الشرق الأوسط الكبير كجزء من خطوة دولية موازية لاحتواء وتطويق الطموحات الصينية والروسية، والسيطرة على خطوط إمداد الطاقة، وهذا لن يتأتى سوى بوجود نظام جديد حليف بإيران يضمن ولاءه للمصلحة الأمريكية شرقًا باتجاه الصين.

وهو ما سيتلاقى مع أهداف إسرائيل التي تريد أن تتمدد وتحكم وتدير الشرق الأوسط الكبير وملحقه الأفريقي.

ولأجل أن يتم تفعيل ذلك كان ينبغي أولًا التخلص من نظام الملالي في إيران وإعادة رسم حدود على الأقل سبع من الدول العربية، منها ما سيقسم، ومنها ما سيتم دمجه، ومنها من سيتم إدماجه في حرب أخرى موازية يتم إشعالها بين الشيعة والسنة.

وكان الأمر يسير وفق المخطط له منذ السبت 28 فبراير مع أول ضربة مشتركة ضد إيران، حتى جاء اليوم الرابع لينسف آمال نتنياهو وطموحات الرئيس ترامب، لاسيما مع ارتفاع أعداد القتلى في صفوف القوات الأمريكية وقد تجاوزوا المئات، ولم يخرج الآلاف إلى شوارع طهران بعد اغتيال خامنئي.

ناهيك عن ردة فعل غير محسوبة جاءت من ناحية الصين وروسيا بمساعدات تقنية متطورة، وإن كانت غير معلنة لساعة كتابة هذه السطور.

في نفس الوقت الذي تصاعد فيه داخل أمريكا الحديث عن كلفة الحرب ضد إيران، بالتوازي مع غضب شعبي ونتائج استطلاعات الرأي التي أظهرت أن ثلاثة من كل أربعة أمريكيين ضد هذه الحرب، أي أن الأغلبية رافضة لها.

والكونجرس في حالة تأهب قبل انتخابات الكونجرس النصفية في نوفمبر المقبل، والتي يرجح بسبب هذه الحرب أن يتمكن الحزب الديمقراطي من استعادة زعامة مجلس النواب، وهو الأمر الذي سيحول الرئيس ترامب في الفترة المتبقية من سنوات رئاسته إلى “بطة عرجاء”.

ناهيك عن غضب ملحوظ في قطاع عريض من مؤيدي الرئيس ترامب الذين أعادته أصواتهم إلى البيت الأبيض، والذين وعدهم بالتركيز على الداخل وتخفيض الإنفاق الخارجي، وبالتالي عدم الدخول في حروب.

وبالنسبة لهؤلاء فقد حنث الرئيس بوعوده، وكذب على الملأ بالحديث عن رفاه اقتصادي بينما يستمر التضخم وارتفاع أسعار الوقود نتيجة حربه هذه.

ولم يشفع لإدارة ترامب ارتفاع أسعار الغاز والنفط، حيث إن المستفيد الأول هو إكسون موبيل وغيرها من الشركات الأمريكية الكبرى.

أما إقليميًا فالأوضاع بعد مرور ما يقرب من أسبوع على بدء الحرب تزيد المخاوف من تهور إسرائيلي – طالما بقي نتنياهو وأعضاء حكومة يمينية متطرفة – نحو استخدام رأس نووي محدود وإشعال المنطقة برمتها.

وربما دفع هذا الهاجس للبحث عن حلول ولو بإقناع أطراف سياسية إسرائيلية أخرى بإخراج نتنياهو من الحكومة بغير رجعة.

وعلى أية حال، وإذا كانت وفق هذا السيناريو – الذي لا قدر الله حدوثه – ستكون واشنطن وإسرائيل الفائز الأكبر بينما يخسر الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا، فإن الحدث الآن يؤكد واقعًا عكسيًا.

الصين فيه إلى صعود، ويليها روسيا، أو على أكثر تقدير تقسيم متوافق عليه بين القوى الكبرى.

وبالتالي فالسؤال الذي يفرض نفسه علينا الآن: أين نحن في تلك الخارطة الجديدة؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى