
في الميثولوجيا الإغريقية، آريس هو إله الحرب والعنف والوحشية والدمار، ويمثل الجانب الهمجي للحرب. كان أحمقَ وسفيهاً متهوّراً، ومبغوضاً من معظم الآلهة، وهو يتصف بقمة الغضب، والعنف والدموية والغرور، ما جعله مكروهاً من قبل الإغريق أنفسهم!
عالم اليوم يعيش حالة انتقالية من الميثولوجيا الإغريقية، إلى الحقيقة الدامغة للواقع الدولي الراهن، إذ تشهد شعوب العالم ودوله، نموذجاً حياً من آريس العصر الحالي!
كم هو مراوغ، “آريس” عالم اليوم عندما يدّعي أنه أنهى ثمانية حروب، فيما أيديه، وأيدي حليفه في تل أبيب، الملاحَق من محكمة الجنايات الدولية، ملطخة بدماء الشعوب هنا وهناك! كم هو كذوب آريس العالم عندما قال إنه يريد أن ينهي الحروب، جاعلاً نفسه داعية سلام!
كم هو مكروه ومبغوض “آريس” العصر من معظم دول العالم وشعوبه، ومن أعدائه وحتى حلفائه وأصدقائه، الذين رضخوا له رغماً عنهم، نتيجة ضغوطه، وتهديداته، وابتزازه، وقراراته، وعقوباته! منطق سياسته ونهجه، وسلوكه هو أن يدّعي، ويزعم، ويتهم، ويضلل، ويحرف الوقائع، إلى أن ضجّت الأوساط السياسية الأميركية والعالمية من تصريحاته الخبط عشواء، ومن ادّعاءاته ومزاعمه، بحيث أنّ صحيفة “واشنطن بوست”، أنشأت قاعدة بيانات تتضمّن كلّ تصريح علني عام، يقول فيه الرئيس الأميركي ترامب شيئاً يمكن التحقق منه. إذ خلال فترة ولايته الأولى بين عامي 2017 ـ 2021. سجل فريق فحص الحقائق في الصحيفة 30573 تصريحاً كاذباً، أو مضلّلاً، أو مراوغاً، أو مخادعاً، قاله ترامب أثناء رئاسته، وهذا بمعدل 21 تصريحاً غير صحيح يومياً على مدى السنوات الأربع.
إرهاصات دونالد ترامب المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، بدأت مع حملته الانتخابية عام 2016 وبعد وصوله إلى البيت الأبيض وحتى اليوم، حيث لا يزال يكرّر باستمرار منذ عشر سنوات اتهاماته ضدّ إيران، مدّعياً أنها تقترب من امتلاك سلاح نووي، وأنّ الاتفاق النووي الموقع عام 2015، لم يمنع طهران من تطوير قدراتها النووية بل أرجأ الأمر فقط، واعتبره “أسوأ إنفاق في التاريخ”!.
عام 2018 خرج رسمياً من الاتفاق، وفرض على إيران عقوبات شديدة، زاعماً أنّ طهران تستخدم العوائد المالية لدعم برنامجها النووي، وأنّ الاتفاق لا يضمن قيوداً كافية على برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية، وأنّ تطوير إيران صواريخ بعيدة المدى تهدّد المصالح الأميركية، وحتى الأراضي الأميركية في حال تصنيعها صواريخ عابرة للقارات!
سياسات ترامب العدائية تجاه إيران تقوم على التشكيك الكامل في الاتفاق النووي، والربط بين النووي والصواريخ البالستية، واستخدام العقوبات والضغط الاقتصادي كوسيلة ردع، قبل القيام بحرب مباشرة.
ترامب يعلم جيداً أنّ خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015 بين إيران والمجموعة 5+1، جمّدت تخصيب اليورانيوم إلى الحدّ الأدنى 3.7%، مع رقابة دولية صارمة، ما يبعد إيران عن تصنيع سلاح نووي. إلا أنّ ترامب اعتبر أنّ الاتفاق غير كافٍ، ويؤجّل المشكلة ولا يحلها، لذا انسحب من الاتفاق، وأعاد فرض العقوبات، وصنّف الحرس الثوري كمنظمة “إرهابية”.
عداء الولايات المتحدة مع إيران، وبالذات ترامب، ليس بسبب البرنامج النووي السلمي الذي شقّ طريقه بعد سنوات طويلة من انتصار الثورة عام 1979، وإنما بسبب عقدة “آريس” العصر من النظام الإيراني الذي آثر الوقوف في وجه سياساته ونفوذه وهيمنته على المنطقة، إذ لم تتراجع إيران على مدى 47 عاماً عن مواقفها الثابتة، الرافضة بالمطلق الدخول في فلك الولايات المتحدة، والسير في نهجها، خاصة في عهد ترامب، الذي بدأ في طرح مشاريعه في المنطقة، والعمل على تنفيذها، وأبرزها إنشاء “منظومته الإبراهيمية” بغية تغيير وجه الشرق الأوسط وخريطته، والتحكم بدوله لتخضع في ما بعد للسيطرة الإسرائيلية. لذلك كان لا بدّ لترامب ونتنياهو، من اللجوء إلى الحرب بغية الإطاحة بالنظام الإيراني نهائياً، بعد أن فشلت كلّ المحاولات السابقة لإخضاعه.
لقد كشف ترامب عن حقيقة سياسته، وشغفه بالحرب، ضارباً بعرض الحائط مبادئ المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والقيم الإنسانية، التي لم تعرف طريقاً إلى سلوكه وسياسته، لينفذ ما يريد، ويقرّر متى يشاء، ليؤكد بالتالي على نية وعزم واشنطن وتل أبيب على إسقاط دور الأمم المتحدة، والإطاحة بالقانون الدولي، والمبادئ الديمقراطية والقيم الإنسانية، ووضع قواعد خطيرة لنظام عالمي جديد، يتحكم به مفهوم القوة الغاشمة، والاستبداد المطلق الذي يديره ويمارسه بكلّ صلف وتحدّ دونالد ترامب تجاه دول العالم، غير عابئ بها، ولا بالقوى الكبرى الوازنة كالصين وروسيا.
دول تهتز على يد ترامب، ولا أحد يتحرّك.
يهدّد بلداناً وتلتزم الصمت، يأمر حلفاءه، ولا يعارضونه. لا قيمة عنده لمجلس الأمن، ولا اعتبار للقوانين الدولية والإنسانية، ولا احترام لضوابط ومعايير العلاقات السياسية الدولية. هو الوحيد على الساحة العالمية الذي يتخذ قراره ويفرضه على الآخرين، يتدخل، يستفز، يعمل على الإطاحة بأنظمة يعاديها. أمس فنزويلا، واليوم يحاول إسقاط النظام في إيران التي تقاوم بكلّ قوة العدوان الأميركي الإسرائيلي عليها. عنجهيته وغطرسته، دفعت به ليقول: “إنّ لديه قائمة تضمّ ثلاثة أسماء لقيادة إيران”!.
إيران هي حجر العقد في منطقة الشرق الأوسط، إنْ سقطت، ستسقط معها دولها الواحدة تلو الأخرى بين فكي واشنطن وتل أبيب، ولن تقوم لها قائمة بعد ذلك. لن يتوقف السقوط عند هذا الحدّ، بل سينسحب في ما بعد، وبالأسلوب ذاته، على القوى الدولية والإقليمية الكبرى كالصين وروسيا، وتركيا، وباكستان، والبرازيل وغيرها من الدول الرافضة لسياسة الهيمنة الأميركية، وذلك من خلال الضغوط، والاحتواء، والعقوبات عليها، وإثارة الفوضى فيها، وزجّها في حروب من خلال أدوات خارجية توجهها وتديرها واشنطن.
يبدو أنّ ترامب لم يعرف حتى الآن حقيقة الإيرانيين، وهي أنهم شعب عنيد لا يُكسر، وأنّ صراع هذا الشعب عبر التاريخ لم يتوقف يوماً ضدّ الطغاة، والغزاة والمستبدّين مهما غلت تضحياته البشرية والمادية. إنه يعرف كيف يحافظ على كرامته ووطنه، وسيادته وأرضه، وهو في مواجهة وحوش العصر. لذا صمّم على التصدي للعدوان حتى النفس الأخير، وعلى دحر المعتدين وإحباط العدوان!
دول العالم العربي، معنية اليوم قبل غيرها، لفهم أبعاد العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران، لأنّ ما يحيط بإيران، وما يُحضَّر لها، يحيط ويُحضَّر أيضاً لدول العالم العربي دون استثناء أكانت عدوة أو صديقة أو حليفة للولايات المتحدة.
المسألة مسألة وقت، فحذار حذار من الرهان على الذئاب الكاسرة والوثوق بها، فإذا كانت إيران اليوم الهدف الأول للولايات المتحدة و”إسرائيل”، فإنّ دول العالم العربي بدورها الواحدة تلو الأخرى، ستكون الفريسة التالية على اللائحة لتحقيق حلم الثنائي ترامب ـ نتنياهو في إقامة المنظومة الإبراهيمية، والتي ستدخل العالم العربي في عصر الخنوع، والانحطاط والذلّ من جديد !
لِيعِ زعماء العرب أهداف الحرب الحقيقية على إيران، الرامية الى إسقاط نظامها، وتداعياتها المزلزلة لوحدة وسيادة دول العالم العربي قبل فوات الأوان؟!
وزير الخارجية والمغتربين الأسبق





