من رجال ثورة ١٩١٩ .. شخصيات لها تاريخ «35» حمد الباسل.. شيخ العرب المُـدافع عن حرية الوطن

«عربان الحرابى» وضعوا أنفسهم تحت أمر «عرابى» وقاتلوا معه حتى الهاية تولى حمد الباسل دعم الشعب الليبى بالمال والسلاح وخصص أرضاً فى الفيوم لتكون مقراً للنازحين من ليبيا ابتلع الباسل خطاباً بخط يد سعد زغلول خشية أن يقع فى يد الإنجليز لحظة القبض عليه
الكلام عن “شيخ العرب” حمد باشا الباسل، نادر للغاية، رغم أنه صاحب فضل على آلاف المتعلمين فى الفيوم، وصاحب دور وطنى مهم فى ثورة 1919، فهو أحد القادة السبعة الذين صدر ضدهم حكم بالإعدام، من محكمة إنجليزية، انعقدت فى القاهرة، بتهمة إصدار بيان يدعو الشعب المصرى للثورة على الاحتلال الإنجليزى، ومقاطعة البضائع الإنجليزية، وخفف الحكم إلى “السجن سبع سنوات” ودخل “شيخ العرب” السجن، وعومل معاملة قاسية، وقبلها ذاق مرارة النفى خارج مصر، مع “سعد زغلول” لأنه عضو مهم فى “الوفد المصرى” الذى فوضه الشعب للمطالبة لتحقيق الاستقلال بكافة الوسائل الديمقراطية والسلمية، ولم يكتف “حمد الباسل” بالدور الثورى الوطنى، بل حقق حضورا عربيا، فكان له دور مهم فى دعم الثورة الليبية بقيادة المجاهد عمر المختار، وكان له دور فى حل المنازعات التى وقعت بين قبائل العراق، وكان له نضال بارز فى سبيل نصرة الشعب الفلسطينى ومواجهة الصهـــاينة، حتى رحل عن الدنيا فى العام 1940..

فرضت ظروف الخلل الفكرى فى شرائح المثقفين ـ على كاتب هذه السطورـ أن يقدم فروض الولاء للوطن والدولة المصرية، قبل كل حديث يخص “العربان” أو “بدو مصر” ذلك لأن العبدلله منهم، بالعرق والثقافة والانتماء، لكن “الوطن” أغلى من هؤلاء الكارهين لناسه، والعربان وطنيون، وفدائيون وشهداء فى سبيل تراب هذا الوطن، رغم حقد “الصهاينة” الذين يكرهون عروبة مصر، وعربان مصر، وكل ما يربط المصريين بالثقافة العربية، التى هى جزء منها، وهؤلاء يستندون إلى ظرف تاريخى، جعل “سعد زغلول” لايسعى نحو تحقيق الوحدة بين مصر والأقطار العربية، ولكن هؤلاء الجهلة نسوا أن “طلعت حرب” الاقتصادى المعاصر لثورة 1919، مؤسس بنك مصر، كان من “عربان” الشرقية، وكان من دعاة الوحدة العربية الاقتصادية، وحقق منها الكثير، بالتعاون مع السوريين وغيرهم، وهو الذى سعى لخدمة حجاج بيت الله الحرام، بتقديم ما يسهل للحاج أداء الفريضة والعودة إلى أرض الوطن سالما، وفى اللحظة ذاتها كان ضمن “الوفد المصرى” عربان آخرون، منهم “محمد محمود باشا” ووالده “محمود باشا سليمان السيلينى” و”حمد باشا الباسل الرمحى”، وكان معهم القبط العظام “مكرم عبيد، سينوت حنا، ويصا واصف، مرقص حنا” وغيرهم من الرجال، الذين فرضت عليهم ظروف الوطن المحتل، التصدى للدفاع عن حريته وحرية شعبه، دون النظر إلى المنافع والمكاسب، وبعض الجهلة بالتاريخ، يجعل “خيانة بعض العربان” للثورة العرابية، علامة عليهم وينسى أن “عربان الحرابى” تقدموا من تلقاء أنفسهم ووضعوا أنفسهم تحت أمر “عرابى” وقاتلوا معه حتى النهاية، وحتى نقطع الطريق على هؤلاء الكارهين للعربان والعرب والعروبة، نسوق لهم مقاطع من كتاب “أحمد عرابى ودوره فى الحياة السياسية المصرية”، وهو من تأليف دكتور “سمير محمد طه” ونشرته “هيئة الكتاب” فى العام 1986 وهو عبارة عن رسالة دكتوراه، اعتمد فيها الباحث على مراجع إنجليزية وعربية، وجاء فيه عن العربان والثورة العرابية..
يقول دكتور سمير محمد طه:
ـ كان هناك العربان المدرَّبون على ركوب الخيل، واستخدام السلاح، وكان أول المتطوعين من العربان، قبيلة “الحرابى” بالفيوم، بقيادة “السعداوى الجبالى” و”عبدالقوى الجبالى” فقد حضرا إلى “عرابى” وطلبا الانضمام للجيش بعد تسلمهم الأسلحة، فأحال “عرابى” الأمر إلى “المجلس العرفى” الذى قرر ضمهم إلى الجيش عن طريق المديرية التى يتبعونها، على أن يحضروا بخيولهم، ويعاملوا معاملة الجنود النظاميين، ودعا ذلك “عرابى” إلى عقد اجتماع مع بعض رؤساء القبائل لمعرفة من يمكن ضمه إلى الجيش من أبناء هذه القبائل، ومع اشتداد المعارك أصبحت الحاجة ملحَّة إليهم وصار طلبهم من المديريات التابعين لها للانضمام إلى الجيش.
ويصف ـ دكتور سمير طه ـ أجواء المعارك بين الجيشين المصرى والبريطانى فى “كفر الدوَّار” ومشاركة العربان فى الدفاع عن الوطن:
ورغم هذه الاستعدادات أوقف المصريون تقدُّم القوات واضطرت القوات البريطانية إلى الانسحاب، بعد أن كبدوها خسائر فادحة، ثم انقضَّ الفرسان و”فرسان العربان” ومشاتهم على فلول المنهزمين، واضطروهم إلى الارتداد إلى الإسكندرية، وقد دام القتال ثلاث ساعات، وقاد المعركة “طُلبة باشا عصمت” قومندان “قائد” فرقة كفر الدوَّار ومعه رضا باشا ومصطفى بك عبدالرحيم..
ويضيف قوله:
ـ كانت انتصارا للقوات المصرية ضد الهجوم الشامل من القوات الإنجليزية، وعاود الإنجليز الهجوم على مقدمة “كفر الدوَّار” وفى هذا اليوم رؤى الإنجليز يرتبون جنودهم للهجوم منذ الساعة السادسة، فاستعد “طُلبة باشا” قائد فرقة كفر الدوّار للقائهم، ورتب قواته على هيئة مؤلفة من أربع أورَط ـ كتائب ـ من الجهة الشرقية، تحت حكمدارية “عيد بك وأحمد بك عفّت” وأربع “أورَط” من الجهة الغربية، تحت حكمدارية “مصطفى بك عبد الرحيم، وسليمان بك سامى”، و”الفرسان والعربان” تحت قيادة “أحمد بك عبد الغفار” وفى الساعة التاسعة، ظهر العدوّ بقوة مكونة من “ستة “قولات” بالجهة الشرقية، وقولين من الجهة الغربية، وقطارين من طريق “القبّارى” واستمر ضرب المدفعية ـ بين الطرفين ـ لمدة ساعتين، ثم تقدم “مشاة” الجيش المصرى، تحت نيران المدفعية، واحتدم القتال، ولمّا رأى الإنجليز شجاعة المصريين انسحبوا وتبعهم جنود الفرسان والعربان، وكانت خسائر العدو جسيمة”.
جنون الخديو سعيد!
من مظاهر جنون “الخديو سعيد” خضوعه لرأى “لطيف باشا” مفتش الصعيد، الذى قرر خوض معركة ضد “العربان” ومنحها صورة رسمية، وتحول الأمر إلى جنون، فالحاكم يحارب “الشعب” من أجل أوهام سكنت رأس موظف كبير فى دولاب النظام الحاكم، والقصة بالتفصيل ذكرها “نوبار باشا الأرمنّى” فى مذكراته، وهو رجل مهم فى تاريخ السياسة المصرية فى زمن “محمد على” وخلفائه الذين حكموا مصر من بعده بموجب اتفاقية لندن “1840” التى قضت له بحكم مصر وتوريثها لنسله من بعده، واختار “نوبار” قصة الخديو سعيد والعربان ورواها وها هى القصة بالنص:
“قرر “لطيف باشا” ـ مفتش عام الصعيد ـ أن يفرض على “البدو” تسليم أسلحتهم وتقسيمهم إلى جماعات صغيرة، وإجبارهم على الحصول على تصاريح من مشايخهم فى كل مرة يريدون فيها السفر، واجتمع زعماء القبائل للتشاور، وأعلنوا أنهم إذا كانوا قادرين على تسليم أسلحة رجالهم، إلا أنه من المستحيل إخضاع هؤلاء الرجال لنظام “تصاريح السفر” وأصر “لطيف باشا” على قراره، وانحاز له “الخديو سعيد” بل أصرّ على استخدام القوة ضد “البدو” وتهديد شيوخ القبائل، وقرر “سعيد” القيام بحملة ضد “البدو” فى “الفيوم” وتحرك بالجيش من الإسكندرية، واجتاز الصحراء التى تفصل بين “البحيرة” و”الفيوم” وفى طريقه لقى عددا من “العربان” فأمر بتقييدهم وربطهم على فوهات المدافع، وقتلوا، وتجمع زعماء القبائل فى منطقة قريبة من “المنيا” فور سماعهم الخبر، وجرى تبادل إطلاق النار، بين العربان وعساكر الجيش، واستطاع العربان استدراج المئات من عساكر الجيش إلى “شونة قديمة” كانت تستخدم فى تخزين الغلال، وتكاثر العربان عليهم، وكادت أن تقع مذبحة، لولا حضور شيوخ القبائل فى الوقت المناسب، وأنقذ العساكر من موت محقق.
وأضاف نوبار باشا ـ فى مذكراته المنشورة بالقاهرة “دار الشروق” قوله:
ـ حكى لى أحد شيوخ البدو، هذه الأحداث، وذكر واقعة ظريفة، فقال: فى يوم من الأيام، اعتقد “سعيد” أن هناك هجوما من جانب البدو، ففر ومعه بعض فرسان الجيش، ولم يتوقف إلا على ضفة “بحر يوسف”، ورآه الناس وهو يلهث ويجفف عرقه المتصبب على جبهته، وكان منهكا من شدة العطش، وشرب من بحر يوسف الماء بكفّيه، وهذه الظروف ـ المضحكة ـ انتهت بموت كثير من الناس، وخضوع قبيلة بدوية، ونقل بعض رجالها إلى “الغربية” وخروج قبيلة أخرى ورجوعها إلى “بنغازى” فى شرق ليبيا، وكان “محمد على” هو من اجتذب البدو إلى الاستقرار فى الأراضى المصرية، وكان “إبراهيم” يعتمد على فرسان البدو فى حملات الشام، أما “الخديو عباس” فمنحهم الأراضى، واعتبرهم حراس حدود مصر وحماتها..
الرِّماح، عربان جدهم يسمى “رُمح” وهو “رُمح بن فايد بن برغوث بن أبى الليل بن الذئب المنتمى إلى “بنى سليم” وهى القبيلة التى شاركت “بنى هلال” فى التغريبة، أى انتقال “بنى هلال وبنى سليم” ومن تحالف معهما من قبائل من “صعيد مصر” إلى “تونس” لقتال “المعز بن باديس” باتفاق مع “الخليفة المستنصر” الفاطمى، لأن “ابن باديس” تمرد على المستنصر، وأراد العودة إلى “المذهب المالكى” وهجر المذهب الشيعى الإسماعيلى، الذى هو مذهب الفاطميين، وكان دخول بنى سليم وبنى هلال، سببا فى تعريب مناطق المغرب العربى، وبقى نسل هاتين القبيلتين فى مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا وتشاد والسودان، وفى ليبيا، شهدت قبيلة “الرماح” مواجهة ضد الحاكم التركى، الذى أراد أن يفرض عليها ضرائب، وهى مستقرة فى منطقة “المرج” فى الجبل الأخضر، فى إقليم “برقة” وبعد فرض الانقسام عليها وعلى “قبيلة الفوايد” جاءت قبيلة “الرماح” إلى مصر، واستقرت وحصلت على الأراضى الزراعية من “محمد على” وخلفائه “باستثناء سعيد بالطبع” وصار لها إسهام فى حروبه كلها، وكان “محمود الباسل” هو شيخ قبيلة “الرِّماح” فى زمن “الثورة العرابية “وكان هو ورجال القبيلة، يقاتلون ضمن جيش الثورة، ومات الشيخ، وصدر أمر”الخديو توفيق” بتولية “حمد محمود الباسل” مشيخة “قبيلة الرماح” وفى العام 1909 تنازل عن هذه المشيخة لشقيقه “عبدالستار الباسل” وانتقل من دائرة القبيلة، إلى دائرة الأمة المصرية، فأصبح “شيخ العرب” حمدالباسل، ضمن “الوفد المصرى” المدافع عن حرية الوطن.
ولما تفجر الكفاح الشعبى المسلح فى ليبيا، بقيادة المجاهد “عمر المختار” تولى “حمد الباسل” دعم الشعب الليبى، بالمال والسلاح، وخصص من أرضه فى “الفيوم” خمسمائة فدان، لتكون مقرا للنازحين من ليبيا، والهاربين من قمع الاحتلال الإيطالى، وهذا الموقف العروبى الإسلامى، الإنسانى، لم يكن على هوى “الملك فؤاد” ربيب العرش الإيطالى، وكان والده “الخديو إسماعيل” قضى سنوات عمره الأخيرة، فى إيطاليا، بعد إخراجه من السلطة، بقرار أوربى، وتعيين ولده “محمد توفيق” وكان “فؤاد” الطفل، صحبة والده، وفى إيطاليا، درس العلوم العسكرية، وعمل فى الجيش الإيطالى، وورث “فاروق” عن والده الميل إلى إيطاليا، وبعد عزله بقرار الضباط المصريين “الضباط الأحرار” انتقل إلى إيطاليا، ومات هناك، لكنه دُفن فى “القاهرة”، وكان انحياز “حمد باشا الباسل” لجهاد الشعب الليبى الشقيق، سببا فى خصومة سياسية مع “إسماعيل صدقى” رئيس الحكومة المصرية فى زمن الملك فؤاد، ولمّا أراد إقامة حفل تأبين للمجاهد الليبى “عمر المختار” ـ أعدمته الحكومة الإيطالية فى العام 1931ـ رفض “صدقى” إقامة حفل التأبين، مراعاة لخاطر مليكه “فؤاد”، ولكن “حمد باشا الباسل” استطاع أن يقيم حفل التأتبين فى بيت له يملكه فى القاهرة، وحضره الشعراء الكبار وقراء القرآن الكريم والمثقفون والساسة.
سبعة أبطال وسبع مشانق
كان شيخ العرب “حمد باشا الباسل” من رجال الوفد المصرى مع “سعد زغلول”، وكان صاحب تضحيات كبيرة ودور بارز فى ثورة 1919، بل إن المواجهة الأولى بين “الاحتلال” البريطانى، والعربان فى “إطسا” ـ المركز الإدارى الذى تقع فى نطاقه قرية “قصر الباسل” ـ هى الأولى، وسقط فيها عشرات الشهداء، من رجال قبيلة “الرّماح” والقبائل الأخرى، والذى حدث فى تلك المعركة، أن وقع “حمد الباسل” فى قبضة الاحتلال، وصدر قرار نفيه مع “سعد زغلول” فاحتج العربان، وتقدموا بأسلحتهم وصدورهم، واستولوا على “مركز الشرطة” فى “إطسا” واحتجزوا المأمور البريطانى، واستولوا على الأسلحة الموجودة فيه، وحاول العربان اقتحام مديرية الفيوم، وأطلق الاحتلال البريطانى الرصاص على الثوار، وقتل منهم عددا كبيرا، وكان أول اجتماع للوفد المصرى، فى بيت “حمد الباسل” بالقاهرة، وهو قريب من “بيت الأمة” الذى يملكه “سعد زغلول”، وتفرض الأمانة العلمية والصحفية علينا ونحن نروى تفاصيل نضال “حمد الباسل” أن نعترف للكاتب الصحفى الراحل “مصطفى أمين” بدوره المهم فى حفظ تراث ثورة 1919 بكتابه “أسرار ثورة 1919” الذى قدم فيه الكثير من المشاهد المجهولة، والقصص التى تؤرخ لنضال ثوار ومجاهدين مصريين، منهم بالطبع “حمد الباسل” الذى اختصه بسرد قصة القبض عليه ومحاكمته مع ستة آخرين من قادة الوفد المصرى فى الوقت الذى كان فيه “سعد زغلول” منفيا خارج مصر.
وصف “مصطفى أمين” لحظة اقتحام جيش الاحتلال، بيت “حمد الباسل” وما جرى بعد الاقتحام من اعتقال ومحاكمة بقوله:
ـ الساعة الخامسة والنصف صباحا، دق عنيف على باب بيت حمد الباسل باشا ـ وكيل الوفدـ ضباط إنجليز، وجنود برياسة البكباشى “أبلت” يقتحمون الباب، ويدخلون غرفة نوم “حمد الباسل” شاهرين المدافع والمسدسات، يوقظونه من النوم، ويعلمونه بأن جناب القائد العام للقوات البريطانية فى مصر أمر بالقبض عليه وتفتيش منزله ومصادرة الأوراق التى فيه، ويتذكر “حمد الباسل” أن فى جيب محفظته ورقة خطيرة، إنها خطاب بخط “سعد زغلول”، إنه الخطاب الذى أعاد “حمد الباسل” إلى الوفد، بعد أن اختلف مع “سعد” وانقطع عنه، إنه الخطاب الذى كتبه “سعد” ليلة القبض عليه ونفيه إلى “سيشل”، وأرسله مــع الحــاج “أحمــد عثمـــان” ـ تـــابع سعـــد زغلول الخاص ـ وهذا الخطاب رسم سياسة الثورة بعد القبض على قائدها “عزيزى حمد”.. الاتجاه إلى اعتقالى، واجبك أن تعود إلى الوفد وتنسى الخلاف الذى بيننا، الموقف يستوجب الاتحاد.. رد الأمة هو المقاومة السلبية..عدم التعاون مع الإنجليز.. مقاطعة البنوك الإنجليزية.. مقاطعة الشركات الإنجليزية.. الامتناع عن تشكيل أى وزارة.. مقاطعة السفن الإنجليزية.. مقاطعة التجارة الإنجليزية.. تشجيع البنوك الوطنية.. وخشى “حمد الباسل” أن يقع الخطاب الخطير فى يد “البوليس الحربى” البريطانى، فكوَّر هذه الرسالة فى يده، ثم وضعها فى فمه، وشرب عليها كوب ماء، وبلعها، وراح الإنجليز يفتشون كل شىء، الرجال والسيدات والخدم، وحمد الباسل نفسه، والسطح والبدروم، والمكتب، ثم يصادرون كل ما فى البيت من أوراق ومنشورات، وفى الوقت الذى كان يحدث فيه هذا، كانت عمليات قبض أخرى تجرى لاعتقال باقى قادة الثورة، وكان سعد زغلول فى ذلك الوقت منفيا فى “سيشل”.
ويواصل مصطفى أمين سرد قصة القبض على الأبطال السبعة:
ـ وصفهم مراسل جريدة “الجورنال” الباريسية ـ فى القاهرة ـ بأنهم كانوا سبعة أُسود، فى قفص، ولكن السجانين أنفسهم، كانوا يشعرون أنهم هم الذين فى القفص، وفى يوم 6 أغسطس 1922 دخل ضابط إنجليزى قشلاقات “معسكرات” قصر النيل، وسلَّم الزعماء السبعة ورقة اتهامهم أمام المحكمة العسكرية البريطانية العليا:
ـ المتهمون: حمد الباسل، ويصا واصف، جورج خيَّاط ـ علوى الجزار، مراد الشريعى، مرقص حنَّا، واصف غالى.
ـ التهمة الأولى: أنهم ارتكبوا جريمة ضد القانون العسكرى البريطانى، لأنهم ارتكبوا جريمة طبع ونشر منشور يحرض على كراهية واحتقار حكومة صاحب الجلالة ملك إنجلترا.
ـ التهمة الثانية: أنهم ارتكبوا جريمة ضد الحكم العرفى فى مصر بتوقيعهم فى 28 يوليو 1922 منشورا الغرض منه إثارة الكراهية ضد النظام الحاضر، وهذا مخالف لمنشور القائد العام البريطانى فى مصر.
ويقول مصطفى أمين:
ـ وتلا رئيس المحكمة أمرا من القائد العام البريطانى بتأليف المحكمة، ودخل المتهمون إلى قاعة الجلسة، فوقف الحاضرون، إنها أول مرة يقف فيها الحاضرون لمتهمين، دخل “حمد الباسل” ثم “ويصا واصف”، ثم “جورج خيَّاط”، ثم “علوى الجزار”، ثم “مراد الشريعى” ،ثم “مرقص حنَّا”، ثم “واصف غالى”، وكانوا باسمين!
وتوالت إجراءات المحاكمة الصورية، الظالمة، الفاسدة، لكن “حمد باشا الباسل” أحد المتهمين السبعة وقف وخاطب هيئة المحكمة خطابا حفظه التاريخ، هذا نصه:
ـ باسم الشعب المصرى.. إننا نحن الوكلاء عن هذا الشعب، المكلفون بالمطالبة باستقلاله، ولهذا لا نستطيع أن نعترف بأى حال من الأحوال، بقضاء محكمة أجنبية، ولو أن هذه المحكمة العسكرية الإنجليزية تأخذ بتصريح الحكومة الإنجليزية، أو تعتبره تصريحا جديَّا، وهو أن مصر دولة مستقلة ذات سيادة، لكان حقا عليها أن تعلن من تلقاء نفسها عدم اختصاصها بمحاكمتنا، إن لكم أن تحكموا علينا، ولكن ليس لكم أن تحاكمونا، مهما تكن العقوبة التى يروق لكم أن تشرفونا بها، فإننا سنقابلها بالسرور والفخار، لأنها خطوة إلى الأمام، فى طريق المجد الذى تسير فيه مصر إلى مصيرها الخالد، ولو خرجنا من السجن فسنعــود إلــى جهــادنــا مــرة أخرى، ولــو متنـا فـإن مصر لن تموت.
وحكمت المحكمة بالإعدام، على السبعة، وهتف “حمد الباسل”:
ـ نموت وتحيا مصر..
وهتف الحاضرون :
ـ تحيا مصر، يحيا الاستقلال، يحيا سعد زغلول..
وقرر مجلس وزراء بريطانيا “العظمى!” تعديل الحكم إلى سبع سنوات، وغرامة قدرها خمسة آلاف جنيه، لكل متهم من السبعة، وأرسل “لورد اللنبى” إلى لندن رسالة اعترض فيها على تخفيف الحكم، وجاء الرد من وزير الخارجية بما معناه أن مجلس الوزراء لايريد تغيير قراره، ودخل القادة السبعة السجن







