د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب . أحمد رشدي… من «باي باي رشدي» إلى وزير داخلية الشعب

حين أكتب اليوم عن أحمد رشدي لا أستعيد مجرد سيرة وزير داخلية، بل أستعيد أيضًا ذكرى شخصية كنت شاهدًا عليها بنفسي. في عام 1986 كنت أعمل صحفيًا ورئيس قسم في جريدة الوفد في زمن رئاسة تحرير أستاذي الكبير مصطفى شردي. يومها كنت أتابع عن قرب ملف وزارة الداخلية، وكان ذلك أحد الملفات التي بدأت عبرها خطواتي الأولى في الصحافة السياسية.
من بين التحقيقات التي نشرتها آنذاك مقال اعتبره بعض الزملاء بداية حقيقية لمسيرتي الصحفية. كان عن حادثة وقعت في فوه بمحافظة كفر الشيخ، حين قُتل مواطن أثناء احتجازه داخل مركز الشرطة بعد تعرضه للتعذيب، على يد رئيس مباحث المركز مصطفى السنهوري، بحجة أنه متهم بتعاطي المخدرات.
سافرت إلى المدينة التي كانت يومها شبه محاصرة أمنيًا، وكان الغضب الشعبي يملأ شوارعها. كانت رحلة صحفية صعبة ومحفوفة بالمخاطر، رافقتني فيها الزميلة العزيزة حنان البدري.
خلال تلك الزيارة تمكنت من التقاط صورة صادمة لرئيس المباحث نفسه جالسًا في غُرزة يدخن الحشيش، وإلى جواره معاون مباحث المركز. المفارقة كانت فادحة: الضابط الذي اتهم مواطنًا بتعاطي المخدرات حتى الموت ظهر هو نفسه متلبسًا بالفعل ذاته.
نشرت التحقيق والصورة في جريدة الوفد. توقعت، كما توقع كثيرون، أن تصدر وزارة الداخلية بيانًا سريعًا لتكذيب ما نشرناه. كان ذلك هو الأسلوب المعتاد في تلك السنوات.
لكن المفاجأة أن الوزارة في عهد أحمد رشدي لم تفعل ذلك. لم تنكر الواقعة، بل اعترفت بها وتعاملت معها باعتبارها خطأ يستوجب المحاسبة.
يومها تملكني شعور قوي بأن وزير الداخلية في تلك اللحظة ليس رجلًا تقليديًا في منصبه. شعرت أن هناك شخصًا مختلفًا يقود هذه الوزارة. ومنذ ذلك الوقت بدأت أتابع أخبارها عن قرب أكبر.
في العام نفسه 1986 بدأت تتردد شائعة خطيرة عن مد فترة خدمة المجندين في قوات الأمن المركزي من ثلاث سنوات إلى أربع. انتشر الخبر داخل المعسكرات كالنار في الهشيم، وتصاعد التوتر بين الجنود.
بلغني أن الوزير أحمد رشدي سيتوجه إلى معسكرات الأمن المركزي على طريق مصر – الإسكندرية الصحراوي لمتابعة الموقف. تحركت مع الزميل العزيز لطفي عبداللطيف إلى هناك لمتابعة ما يجري.
وصلنا إلى المنطقة المقابلة لفندق مينا هاوس. كانت الحركة الأمنية كثيفة. لمحنا اللواء سعد الملاحي مدير أمن الجيزة يسير إلى جوار الوزير.
لم تمض دقائق حتى تغير المشهد فجأة. اندفع جنود الأمن المركزي نحو شارع الهرم في حالة غضب عارم. تصاعدت الأحداث بسرعة غير متوقعة.
استقل الوزير سيارته وغادر المكان، بينما بقينا نحن نتابع ما يحدث. فجأة وجدنا أنفسنا وسط الجنود الغاضبين.
كان لديهم غضب خاص تجاه الصحفيين، لأنهم اعتقدوا أن الصحافة هي التي نشرت خبر مد خدمتهم. اضطررنا لإخفاء هويتنا الصحفية حتى لا نتعرض للاعتداء.
لكن تلك اللحظات نفسها منحتنا فرصة نادرة لرؤية التفاصيل من قلب الحدث. كنا شهودًا على اللحظات الأولى لأحداث انتهت بعد أيام قليلة بخروج أحمد رشدي من وزارة الداخلية.
بعد مرور ما يقرب من أربعين عامًا على تلك الواقعة ما زلت أستعيدها باعتبارها شهادة شخصية من زمن مختلف. ومع مرور السنوات ازداد يقيني بأن تلك الأحداث لم تكن بريئة بالكامل، بل جاءت في سياق سياسي انتهى بإبعاد وزير دخل في مواجهة مباشرة مع قوى كثيرة.
لفهم ظاهرة أحمد رشدي يجب العودة إلى معركته الأشهر: الحرب على مافيا المخدرات في مصر.
في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات كانت تجارة الحشيش قد انتشرت على نحو غير مسبوق. ظهرت مناطق كاملة أصبحت معروفة بأنها مراكز رئيسية لتلك التجارة.
كانت الباطنية أشهر تلك المناطق. حي فقير في قلب القاهرة القديمة، لكنه تحول لسنوات إلى عاصمة غير معلنة لتجارة المخدرات في مصر.
حين قرر أحمد رشدي اقتحام الباطنية لم يكن ذلك مجرد إجراء أمني. كان إعلانًا بأن الدولة استعادت سيادتها على منطقة تحولت إلى شبه دولة داخل الدولة.
امتدت الحملات بعد ذلك إلى مناطق أخرى مثل الجيارة ودار السلام، حيث كانت شبكات تجارة المخدرات قد رسخت نفوذها.
رد فعل أباطرة الكيف كان كاشفًا. عندما غادر أحمد رشدي الوزارة ظهر في الأسواق نوع من الحشيش أطلقوا عليه ساخرين اسم «باي باي رشدي»، في تعبير واضح عن فرحتهم برحيل الوزير الذي ضيق عليهم الخناق.
لم تقتصر إنجازاته على هذا الملف. خاض أيضًا محاولة جادة لإصلاح المرور في القاهرة، ونجح لفترة قصيرة في فرض قدر من الانضباط لم تشهده العاصمة منذ سنوات طويلة.
كما نجح في عملية أمنية معقدة عُرفت باسم عملية البكوش، عندما أحبطت الأجهزة المصرية محاولة لاغتيال عبدالحميد البكوش رئيس وزراء ليبيا الأسبق المقيم في القاهرة، عبر خطة خداع أمني انتهت بظهور البكوش حيًا في مؤتمر صحفي عالمي.
تلك النجاحات صنعت شعبية غير مسبوقة لوزير داخلية في مصر. أصبح اسمه يتردد في الشارع باعتباره «وزير داخلية الشعب».
لكن السياسة كثيرًا ما تكون قاسية مع من يخرجون عن المألوف. نجاح الرجل صنع له خصومًا بقدر ما صنع له مؤيدين.
جاءت أحداث الأمن المركزي 1986 لتكون لحظة النهاية لتجربته في الوزارة.
رحل أحمد رشدي عن الدنيا في 4 يوليو 2013، لكن اسمه بقي حيًا في ذاكرة المصريين.
لأن بعض المناصب يمر أصحابها بها مرورًا عابرًا…
أما بعض الرجال فيتركون فيها أثرًا لا يمحوه الزمن.
بعد عرض مسلسل مناعة في رمضان 2026 وجدت نفسي أطرح سؤالًا بسيطًا ومؤلمًا في آن واحد: أين أحمد رشدي في هذه الحكاية؟
رجل خاض حربًا ضد إمبراطوريات المخدرات، وواجه شبكات نفوذ، ومرّ بتجارب سياسية وأمنية درامية داخل مصر وخارجها… أليس هو الأجدر بأن تتحول قصته إلى عمل درامي يخلّد تلك المرحلة؟
أم أننا – كما يحدث كثيرًا – نُقدم للأجيال القادمة الروايات الأسهل… ونترك القصص الحقيقية التي صنعت التاريخ؟
وهكذا يبقى أحمد رشدي واحدًا من الوجوه التي لا تغيب.








